الانتقال إلى المحتوى

نربط الأعمال. نبني التفاهم. نعزز السلام.

بناء اقتصاد الذكاء الاصطناعي: دور البحث والتطوير المشترك ونقل التكنولوجيا

المقدمة

في عصر يتسم بالتقدم التكنولوجي المتسارع، أصبح السعي وراء الابتكار حجر الزاوية لتحقيق الازدهار الاقتصادي المستدام. ويبرز الذكاء الاصطناعي (AI)، على وجه الخصوص، كقوة تحويلية تعيد تشكيل القطاعات الصناعية والاقتصادات والمجتمعات في جميع أنحاء العالم. ومن أتمتة المهام المعقدة إلى تمكين التحليلات التنبؤية وتعزيز أشكال جديدة من التفاعل بين الإنسان والحاسوب، فإن قدرة الذكاء الاصطناعي على دفع عجلة النمو الاقتصادي والتقدم المجتمعي لا حدود لها عملياً. وبالنسبة للدول التي تطمح إلى تأمين ميزة تنافسية في القرن الحادي والعشرين، فإن الاستثمار الاستراتيجي في البحث والتطوير (R&D) في مجال الذكاء الاصطناعي ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة حتمية. فمن خلال منظومات البحث والتطوير القوية، يتم توليد معارف جديدة، وابتكار تقنيات رائدة، وتظهر حلول نوعية للتحديات العالمية المعقدة. وهذا الدور التأسيسي للبحث والتطوير في قيادة النمو الاقتصادي طويل الأجل مفهوم بعمق من قِبل كل من جمهورية الصين الشعبية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وهما دولتان تدركان بشكل متزايد الإمكانات التكاملية للابتكار التعاوني في مجال الذكاء الاصطناعي.

إن الشراكة بين الصين ودولة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي تمثل نموذجاً ملهماً للطموح المشترك والتوافق الاستراتيجي. إذ يتصور كلا البلدين مستقبلاً يدعم فيه الذكاء الاصطناعي التنويع الاقتصادي، ويعزز القدرات الوطنية، ويرسخ الريادة العالمية. وتقدم الصين، بفضل براعتها التكنولوجية الهائلة، وقاعدتها العريضة من الكفاءات، واستثماراتها الكبيرة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، منظومة ناضجة وديناميكية تتميز بالابتكار السريع والتطبيق واسع النطاق. ومن ناحية أخرى، تقدم دولة الإمارات نفسها كمركز يتسم بالمرونة وبعد النظر، حريص على تبني أحدث التقنيات المتقدمة، وتنويع اقتصاده المعتمد على النفط، وترسيخ مكانته كمركز عالمي للابتكار والتبني التكنولوجي. وهذا التقارب الاستراتيجي في القدرات والتطلعات يخلق أرضية خصبة لشراكة تتجاوز الروابط الاقتصادية التقليدية.

يتناول هذا التقرير الأبعاد متعددة الأوجه لمبادراتهما المشتركة في مجال البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا، مستكشفاً الآليات، والمساهمات المؤسسية، ومسارات التسويق التجاري، وأطر الحوكمة التي تحدد معالم هذا التعاون المتنامي. ويهدف التقرير إلى تسليط الضوء على كيفية قيام هذه الشراكة الاستراتيجية ليس فقط بتسريع أجندات الذكاء الاصطناعي الخاصة بكل منهما، بل أيضاً بوضع الأساس لمستقبل اقتصادي مرن وقائم على الابتكار لكلا البلدين. وسيحافظ التحليل على نبرة إيجابية، مبرزاً الإنجازات المهمة والآفاق الواعدة التي تميز التعاون بين الصين والإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، حتى في ظل التعقيدات الجيوسياسية. والهدف النهائي هو فهم التأثير العميق وطويل الأمد لهذه الجهود المشتركة على التنافسية الاقتصادية والسيادة التكنولوجية لكل من الصين والإمارات، مما يضعهما في موقع المهندسين الرئيسيين لاقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي. ومن خلال دراسة التفاعل المعقد بين السياسات والاستثمار والتبادل العلمي، يسعى هذا التقرير إلى تقديم نظرة عامة شاملة لشراكة تشكل مستقبل الذكاء الاصطناعي على نطاق عالمي.

آليات التعاون

تتميز الشراكة الاستراتيجية بين الصين والإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي بمجموعة متنوعة من آليات التعاون، المصممة خصيصاً لتسهيل البحث والتطوير المشترك وتسريع نقل التكنولوجيا. وتتراوح هذه النماذج بين المشاريع المشتركة الرسمية واتفاقيات الترخيص والمشاريع البحثية التعاونية واسعة النطاق، مما يعكس نهجاً عملياً للاستفادة من نقاط القوة المتبادلة. والهدف الأسمى هو خلق بيئة تآزر تلتقي فيها الخبرة التكنولوجية الصينية بالرؤية الطموحة لدولة الإمارات نحو اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي. وهذا التعاون ليس مجرد اقتناص للفرص، بل هو متجذر في فهم مشترك للإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي ورغبة متبادلة في قيادة تطويره وتطبيقاته.

المشاريع المشتركة (JVs) تمثل مساراً مهماً للتكامل العميق وتقاسم المخاطر، مما يعزز الشعور بالملكية المشتركة والالتزام طويل الأجل. وغالباً ما تتضمن هذه الشراكات إنشاء كيانات جديدة تجمع بين رأس المال والتكنولوجيا والموارد البشرية من كلا البلدين، لابتكار حلول مخصصة تلبي احتياجات الأسواق المحددة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك التعاون بين أبوظبي والشركة الصينية لتكنولوجيا الإلكترونيات (China Electronics Technology Group Corporation)، والذي يعكس التزاماً بالتنمية المشتركة طويلة الأجل في المجالات التكنولوجية الاستراتيجية [1]. وتتيح هذه المشاريع المشتركة الابتكار المشترك لحلول الذكاء الاصطناعي المصممة خصيصاً لتلبية الاحتياجات الإقليمية، مع تعزيز تطوير المواهب المحلية ونقل المعرفة على المستوى التشغيلي. كما يحفز هيكل الملكية المشتركة كلا الطرفين على ضمان نجاح واستدامة هذه المشاريع، مما يؤدي إلى نتائج أكثر قوة وتأثيراً. وعلاوة على ذلك، غالباً ما تكون المشاريع المشتركة بمثابة منصات للتبادل الثقافي ومشاركة أفضل الممارسات، مما يثري القدرات التشغيلية لكلا الشريكين.

اتفاقيات الترخيص تُعد مساراً أكثر مباشرة وغالباً ما يكون أسرع لنقل التكنولوجيا، مما يسمح للكيانات الإماراتية بالحصول على حقوق استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الصينية المتقدمة. وتعتبر هذه الآلية فعالة بشكل خاص لنشر الحلول المعتمدة في مجالات مثل التعرف على الوجوه، والمدن الذكية، والذكاء الاصطناعي الطبي، حيث أظهرت الصين تقدماً كبيراً وتمتلك عروضاً ناضجة من المنتجات [1]. ولا تتيح هذه الاتفاقيات لدولة الإمارات الوصول الفوري إلى أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تمكّن أيضاً مزودي التكنولوجيا الصينيين من توسيع نطاق حضورهم العالمي وتحقيق عائدات من استثماراتهم في البحث والتطوير. وتتيح مرونة الترخيص مستويات مختلفة من التعاون، بدءاً من مجرد تبني التكنولوجيا وصولاً إلى ترتيبات أكثر تعقيداً تشمل التخصيص، والتطوير المحلي، والدعم الفني المستمر، بما يضمن دمج التكنولوجيا المنقولة واستخدامها بفعالية.

المشاريع البحثية التعاونية تشكل الركيزة الأساسية لجهود البحث والتطوير المشتركة، حيث تجمع المؤسسات الأكاديمية ومراكز الأبحاث وأقسام البحث والتطوير في الشركات من كلا البلدين. وتعد هذه المشاريع حاسمة لتجاوز حدود علوم الذكاء الاصطناعي وتطوير تقنيات الجيل القادم، وغالباً ما تتناول مسائل بحثية أساسية أو تعمل على تطوير تطبيقات مبتكرة. وتُعد منتدى التعاون المالي في صناعة الذكاء الاصطناعي بين الصين والإمارات، التي استضافها مركز الابتكار الصيني الإماراتي (CIC) في شنغهاي، تجسيداً حياً لروح التعاون هذه، حيث سهلت توقيع مذكرات تفاهم (MOUs) مع شركات تكنولوجيا صينية مثل شركة بكين رونغشين للتكنولوجيا الرقمية المحدودة (Beijing Rongxin Digital Technology Co., Ltd.) وشركة شنغهاي فوديان للتكنولوجيا الذكية المحدودة (Shanghai Fudian Intelligent Technology Co., Ltd.) [1]. وتمهد مذكرات التفاهم هذه الطريق للاستكشاف المشترك لآفاق جديدة في الذكاء الاصطناعي، وحشد الموارد الفكرية، ومشاركة البنية التحتية البحثية. وتُعد حوارات تريندز - شاومي تؤكد مجددًا هذا الالتزام بالتعاون البحثي في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، مما يعزز بيئة للتعلم المستمر والابتكار [1]. وتُعد مثل هذه الشراكات حيوية لبناء قاعدة معرفية مشتركة، وتسريع وتيرة الاكتشافات العلمية، ومعالجة التحديات المعقدة التي لا يمكن لأي من الدولتين التصدي لها بمفردها بذات الكفاءة.

الشراكات المؤسسية تلعب دورًا محوريًا في تحويل البحث والتطوير إلى حلول جاهزة للسوق ودفع عجلة التبني الواسع. وقد رسخت شركات التكنولوجيا الصينية العملاقة حضورًا قويًا في دولة الإمارات، حيث شكلت تحالفات استراتيجية تدفع عجلة الابتكار ونشر التكنولوجيا عبر مختلف القطاعات. UBTECH Robotics، والمدعومة من تينسنت (Tencent)، التزمت بمبلغ 362.4 مليون دولار لتعزيز مختبرات الذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات، مما يشير إلى استثمار كبير في قدرات البحث والتطوير المحلية وتنمية الكفاءات [1]. وبالمثل، مجموعة سينس تايم، وبدعم من علي بابا (Alibaba)، أنشأت مركزها للبحث والتطوير لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في أبوظبي، بهدف تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي عبر قطاعات متنوعة مثل الرعاية الصحية، والاستشعار عن بعد، والتعليم [1, 2]. كما يجسد تعاون هواوي (Huawei) مع دبي في حلول المدن الذكية وتأسيس علي بابا كلاود (Alibaba Cloud) لمركز بيانات في دولة الإمارات عمق المشاركة المؤسسية والالتزام ببناء بنية تحتية رقمية قوية [1]. ولا تقتصر هذه الشراكات على مجرد التوسع في السوق؛ بل تركز على التطوير المشترك، ورعاية المواهب، وإنشاء منظومات ذكاء اصطناعي محلية تعود بالنفع على كلا الاقتصادين من خلال الخبرات والموارد المشتركة.

على الرغم من الضغوط الجيوسياسية، ولا سيما من الولايات المتحدة بشأن علاقات مجموعة G42 مع الصين، تظل الأهمية الاستراتيجية للصين كشريك لدولة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي أمرًا لا جدال فيه [1]. وعندما يواجه الوصول إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الغربية قيودًا، غالبًا ما تبرز الصين كالبديل الأكثر جدوى، موفرةً قدرات متقدمة في مجالات بالغة الأهمية للتنمية الوطنية في دولة الإمارات. ويضمن هذا التكامل المتبادل—بين طموح دولة الإمارات في أن تصبح رائدة عالمية في الذكاء الاصطناعي مقترنًا بقدرات الصين المتقدمة فيه—استمرار وتعميق الجهود التعاونية عبر هذه الآليات المتنوعة [1]. كما تعزز الشراكة الصينية الإماراتية بقيمة 5 مليارات دولار، والتي أُطلقت في أوائل عام 2025، هذا الالتزام عبر التركيز على الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والبنية التحتية، متضمنةً مبادرات بحثية مشتركة وبرامج لتبادل الكفاءات [1, 3]. وتُشكل هذه الآليات المتنوعة مجتمعةً إطارًا قويًا لتعزيز الابتكار، وتسهيل نقل التكنولوجيا، وبناء اقتصاد ذكاء اصطناعي مرن في نهاية المطاف لكل من الصين ودولة الإمارات، مما يُظهر مرونة استراتيجية في مواجهة التحديات الخارجية.

دور الجامعات ومعاهد البحوث

تشكل المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحوث المتخصصة الركيزة الفكرية لأي منظومة ابتكار مزدهرة، وتبرز مساهماتها بوضوح في مجال الذكاء الاصطناعي سريع التطور. وفي سياق التعاون بين الصين ودولة الإمارات في هذا المجال، تؤدي الجامعات ومعاهد البحوث دورًا جوهريًا في رعاية الكفاءات، وإجراء البحوث الأساسية والتطبيقية، وسد الفجوة بين التطورات النظرية والتطبيقات العملية. وتضمن مشاركتها تدفقًا مستمرًا من المهنيين المهرة والاكتشافات الرائدة، وهو أمر لا غنى عنه لاستدامة النمو الاقتصادي طويل الأجل المدفوع بالذكاء الاصطناعي. ويمثل هذا التعاون الأكاديمي استثمارًا استراتيجيًا في رأس المال البشري والملكية الفكرية، مما يعد ضروريًا للحفاظ على الميزة التنافسية في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.

إن جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI) تُمثل منارةً لالتزام دولة الإمارات بأن تصبح رائدة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي. وتُعد، منذ تأسيسها في عام 2019، أول جامعة للدراسات العليا المتخصصة في أبحاث الذكاء الاصطناعي في العالم، حيث وُضعت في جوهرها مبادئ التعاون الدولي [1]. وتتضمن الرؤية الاستراتيجية لجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI) مشاركة صينية بارزة، مما يؤكد أهمية التعاون الأكاديمي الدولي. وتضم هيئتها شخصيات بارزة مثل أندرو تشي-تشي ياو من جامعة تسينغهوا في مجلس أمنائها، كما يساهم الدكتور وان ليمين، كبير علماء ذكاء الآلة في علي بابا، في مجلسها الاستشاري [1]. وتسلط هذه التعيينات الضوء على جهود مدروسة لدمج الخبرات الصينية الرائدة في الذكاء الاصطناعي—سواء الأكاديمية أو الصناعية—في المشهد البحثي المتنامي لدولة الإمارات. ويضمن تركيز جامعة MBZUAI على أبحاث الدراسات العليا إعداد كوادر متخصصة للغاية في الذكاء الاصطناعي، قادرة على قيادة الابتكار والبحث والتطوير المتقدم، مما يعزز القدرات الذاتية لدولة الإمارات في هذا المجال ويقلل من الاعتماد على الخبرات الخارجية.

وإلى جانب جامعة MBZUAI، يساهم المشهد الأكاديمي والبحثي الأوسع في كلا البلدين مساهمة كبرى. حيث تشارك الجامعات الصينية، المشهورة بقدراتها البحثية الواسعة، ومخزونها الضخم من الكفاءات، وتمويلها الحكومي الكبير، في أشكال مختلفة من التعاون مع نظيراتها في دولة الإمارات. وغالبًا ما تنطوي هذه الشراكات على مشاريع بحثية مشتركة، وبرامج لتبادل أعضاء هيئة التدريس والطلاب، والوصول المشترك إلى بنية تحتية بحثية حديثة. وتعتبر مثل هذه المبادرات ضرورية لتلاقح الأفكار، وتعزيز فهم أعمق لمنهجيات البحث المتنوعة، وتسريع وتيرة الاكتشاف في مجالات الذكاء الاصطناعي الفرعية الحيوية مثل تعلم الآلة، ومعالجة اللغات الطبيعية، والرؤية الحاسوبية. كما أن الشراكة مع إنفيديا (Nvidia) لإطلاق مختبر مشترك للذكاء الاصطناعي والروبوتات في أبوظبي في سبتمبر 2025 يُعد مثالًا إضافيًا على التزام دولة الإمارات بتعزيز بيئة بحثية مفعمة بالحيوية من خلال التعاون الدولي [1].

وتعمل معاهد البحوث، الحكومية والخاصة على حد سواء، على تعزيز هذه الجهود بدرجة أكبر؛ إذ تعمل غالبًا كجهات وسيطة تترجم الإنجازات الأكاديمية إلى تقنيات قابلة للتطبيق التجاري وتتصدى لتحديات محددة تواجه القطاع الصناعي. كما يلعب مركز الابتكار الصيني الإماراتي (CIC)، على سبيل المثال، دورًا محوريًا في تيسير الروابط بين الأوساط الأكاديمية والصناعية، كما يتجلى في استضافته لمنتدى التعاون المالي لصناعة الذكاء الاصطناعي بين الصين والإمارات [1]. وتوفر مثل هذه المنتديات منصات تجمع بين الباحثين وقادة الصناعة وصناع السياسات لمناقشة الاتجاهات الناشئة وبناء شراكات كفيلة بدفع مبادرات البحث والتطوير المشتركة إلى الأمام. كما تُمثل حوارات تريندز - شاومي خير مثال أيضًا على التعاون البحثي في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، مما يعزز بيئة قائمة على التعلم المستمر والابتكار واستكشاف آفاق جديدة للتعاون [1]. وتُعد هذه الحوارات بالغة الأهمية لتحديد أولويات البحث الناشئة ومواءمة الجهود الأكاديمية مع الاحتياجات الصناعية.

علاوة على ذلك، تتجاوز إسهامات هذه المؤسسات نطاق البحث العلمي البحت؛ إذ تؤدي دوراً فاعلاً في صياغة ملامح القوى العاملة المستقبلية من خلال تطوير مناهج تخصصية وبرامج تدريبية تواكب المتطلبات المتنامية لقطاع الذكاء الاصطناعي. ويُعد هذا التركيز على تنمية رأس المال البشري أمراً حيوياً لكلا البلدين، بما يضمن امتلاكهما للخبرات اللازمة للابتكار والتطبيق وإدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. وتدعم استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، بتركيزها على بناء القدرات وتدريب الكوادر التقنية، هذه المبادرات التعليمية بشكل مباشر [4]. ومن خلال ترسيخ ثقافة الاستقصاء والابتكار، ترسي الجامعات ومعاهد البحوث الأسس لاقتصاد مستدام قائم على الذكاء الاصطناعي، حيث تتكامل صناعة المعرفة وتطبيقها بسلاسة ضمن الأجندة التنموية الوطنية. ولا تقتصر الجهود التعاونية في هذا المجال على تبادل المعارف القائمة فحسب، بل تمتد إلى المشاركة في استشراف آفاق جديدة للذكاء الاصطناعي، مما يضع كلاً من الصين ودولة الإمارات في طليعة التقدم التكنولوجي العالمي ويضمن تدفقاً مستمراً من المهنيين المهرة لدفع عجلة اقتصاد الذكاء الاصطناعي نحو الأمام.

من المختبر إلى السوق

غالباً ما تكون الرحلة من الاكتشاف العلمي الرائد في المختبر إلى طرح منتج أو خدمة واسعة الانتشار في السوق معقدة ومحفوفة بالتحديات. وتُعد هذه العملية، المعروفة باسم التسويق التجاري، بالغة الأهمية لتحقيق العوائد الاقتصادية للبحث والتطوير. وبالنسبة للشراكة بين الصين ودولة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، يُعد وجود إطار قوي لتحويل الابتكار إلى قيمة سوقية ملموسة أمراً بالغ الأهمية. وتعمل الدولتان بنشاط على تطوير بيئات أعمال مصممة لسد هذه الفجوة، مما يضمن أن تتوج جهود البحث والتطوير المشتركة بحلول ذكاء اصطناعي مجدية وذات أثر ملموس.

ويُعد الانخراط الاستراتيجي للشركات والكيانات الاستثمارية عنصراً محورياً في مسار التسويق التجاري هذا. وتلعب كبرى شركات التكنولوجيا الصينية، بما تمتلكه من خبرة واسعة في توسيع نطاق الابتكارات التكنولوجية، دوراً حاسماً. فالشركات مثل مجموعة سينس تايم، التي أسست مقرها الإقليمي للبحث والتطوير لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في أبوظبي، لا تكتفي بإجراء البحوث، بل تركز أيضاً على تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي عبر سبعة قطاعات، تشمل الرعاية الصحية والاستشعار عن بعد والتعليم [1, 2]. ويضمن هذا الانخراط المباشر للقطاع الصناعي أن تكون الأبحاث موجهة بمتطلبات السوق ومتوافقة مع التطبيقات العملية. كما يؤكد الدعم المقدم من جهات مثل مكتب أبوظبي للاستثمار (ADIO) في إطار برنامج أبوظبي للمسرعات التنموية «غداً 21» التزام دولة الإمارات بتوفير بيئة مواتية للتسويق التجاري، من خلال تقديم الحوافز المالية والتوجيه الاستراتيجي للمشاريع الواعدة في مجال الذكاء الاصطناعي [2].

يُمثل الاستثمار والتمويل شريان الحياة لعملية التسويق التجاري. وقد لعب رأس المال الصيني دوراً محورياً في تنشيط منظومة الابتكار في دولة الإمارات، وتوفير الدعم المالي اللازم للشركات الناشئة ومشاريع الذكاء الاصطناعي [1]. وإن الشراكة بين الصين والإمارات بقيمة $5 billion، الذي أُطلق في أوائل عام 2025، يتضمن صراحةً مكونات للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، مع دخول G42 في شراكة مع عمالقة التكنولوجيا الصينيين في مجالات تعلم الآلة، والبيانات الضخمة، وحلول المدن الذكية [1, 3]. وقد صُمم هذا الاستثمار الضخم لدفع مبادرات البحث المشتركة وبرامج تبادل المواهب نحو مشاريع ناجحة تجارياً. ومن المتوقع ألا تقتصر هذه الشراكات على خلق آلاف فرص العمل فحسب، بل ستجذب أيضاً المزيد من الاستثمارات الأجنبية، مما يولد حلقة إيجابية من الابتكار والنمو الاقتصادي [3].

علاوة على ذلك، توفر مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية المنصات اللازمة لنشر حلول الذكاء الاصطناعي واختبارها على نطاق واسع. ويُعد تعاون هواوي مع دبي في مبادرة «دبي 10X»، الهادفة إلى تطبيق حلول المدن الذكية، نموذجاً بارزاً لكيفية تحول البحث والتطوير إلى تطبيقات عملية على أرض الواقع [1]. وتوفر هذه المشاريع مختبرات حية لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يتيح التطوير والتحسين المستمرين استناداً إلى الملاحظات والنتائج العملية. كما يسهم مواءمة مبادرة الحزام والطريق الصينية مع خطط التوسع في أبوظبي في تيسير دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في مشاريع تطوير البنية التحتية الكبرى، مثل الشبكات الذكية وأنظمة النقل الذكية [1, 3].

وتتضمن هذه العملية أيضاً تعزيز ثقافة ريادة الأعمال وتوفير آليات الدعم للشركات الناشئة. ورغم أن نتائج الأبحاث المتاحة لا تفصّل حاضنات أو مسرعات أعمال محددة تركز حصرياً على التسويق التجاري للذكاء الاصطناعي بين الصين والإمارات، فإن التركيز العام على إنشاء

بيئة ابتكار حيوية في دولة الإمارات، إلى جانب سجل الصين الحافل في تسويق التكنولوجيا، يشير إلى بذل جهود حثيثة لرعاية شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة. فعلى سبيل المثال، تهدف استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 إلى جعل دولة الإمارات الأولى عالمياً في استثمارات الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات، وخلق سوق حيوية جديدة ذات قيمة اقتصادية عالية [4]. ويدعم هذا الهدف الاستراتيجي بطبيعته تسويق أبحاث الذكاء الاصطناعي تجارياً عبر تحفيز الطلب وتوفير بيئة تنظيمية واستثمارية داعمة.

علاوة على ذلك، يتجلى التكامل المتبادل بين الصين ودولة الإمارات بشكل خاص في مرحلة التسويق التجاري. فالصين توفر سوقاً ضخمة لمنتجات وخدمات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب سلاسل إمداد وقدرات تصنيعية ناضجة، يمكنها المساهمة في توسيع نطاق الابتكارات المطورة في دولة الإمارات. وفي المقابل، تمثل دولة الإمارات بوابة استراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)، موفرةً سوقاً متنوعة لشركات الذكاء الاصطناعي الصينية التي تتطلع إلى توسيع نطاق حضورها العالمي. وتضمن هذه العلاقة التبادلية وجود مسارات واضحة إلى السوق للابتكارات المطورة من خلال البحث والتطوير المشترك، مما يعظم أثرها الاقتصادي ويسرع تحقيق اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي في كلا البلدين.

الملكية الفكرية والحوكمة

يعتمد التنفيذ الناجح لمبادرات البحث والتطوير المشتركة ونقل التكنولوجيا بين الدول بشكل حاسم على أطر قانونية وتنظيمية قوية، لا سيما فيما يتعلق بالملكية الفكرية والحوكمة. وبالنسبة للشراكة بين الصين ودولة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، يُعد التعامل مع هذه التعقيدات أمراً بالغ الأهمية لتعزيز الثقة، وضمان التوزيع العادل للمنافع، والحد من النزاعات المحتملة. ويلتزم كلا البلدين بإرساء بيئات تحمي الابتكار وتيسر نشره في آن واحد، مع إدراك التأثيرات الجيوسياسية التي قد تؤثر في مثل هذه الأطر.

حماية الملكية الفكرية يُمثل حجر الزاوية في أي اقتصاد قائم على الابتكار. وتُعد القوانين الواضحة والقابلة للتنفيذ بشأن الملكية الفكرية أمراً أساسياً لتحفيز الباحثين والشركات على الاستثمار في البحث والتطوير، مع يقينهم بأن ابتكاراتهم ستكون محمية. وفي سياق التعاون بين الصين ودولة الإمارات، يجب أن تحدد الاتفاقيات بدقة حقوق الملكية، وحقوق الاستخدام، وتقاسم الإيرادات لتقنيات الذكاء الاصطناعي المطوَّرة بصورة مشتركة. وغالباً ما يتضمن ذلك مفاوضات معقدة لتحديد ما إذا كانت حقوق الملكية الفكرية تعود إلى الجهة صاحبة الابتكار الأصلي، أو مملوكة بشكل مشترك، أو مرخصة بموجب شروط محددة. وقد بادرت دولة الإمارات، في إطار طموحها بأن تصبح مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي، إلى تعزيز منظومة الملكية الفكرية لديها لجذب الاستثمارات والتكنولوجيا الأجنبية. ويهدف إطارها القانوني، الذي يشهد تطوراً مستمراً، إلى توفير بيئة آمنة للمبتكرين والمستثمرين، بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية ويلبي في الوقت ذاته المتطلبات الفريدة للتقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي. كما قطعت الصين خطوات كبيرة في السنوات الأخيرة لتعزيز آليات حماية الملكية الفكرية لديها، متحولةً من صورة الإنفاذ المتساهل إلى نظام أكثر صرامة، لا سيما في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة. ويُسهم هذا التقارب نحو حماية أقوى للملكية الفكرية في كلا البلدين في إرساء أساس أكثر موثوقية للابتكار التعاوني، مما يقلل من المخاطر التي تواجه الشركات المنخرطة في البحث والتطوير عبر الحدود.

أطر الحوكمة تشمل المشهد القانوني والتنظيمي الأوسع الذي يحكم الأنشطة التعاونية. ويتضمن ذلك الاتفاقيات التعاقدية للمشاريع المشتركة والترخيص، فضلاً عن السياسات الوطنية التي تشكل بيئة نقل التكنولوجيا. وتدل زيارة الدولة التي قام بها رئيس دولة الإمارات، صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، إلى الصين في مايو 2024، والتي عمقت التعاون في مجالات تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، على التزام رفيع المستوى بتهيئة بيئة حوكمة مواتية [1]. وغالباً ما تُرسي هذه اللقاءات الدبلوماسية الأساس لاتفاقيات ثنائية تبسط الإجراءات التنظيمية، وتيسر تدفقات البيانات عبر الحدود (حيثما كان ذلك مسموحاً به)، وتوحّد المواصفات الفنية القياسية. وتعد هذه الأطر بالغة الأهمية لضمان الشفافية، والمساءلة، والاعتبارات الأخلاقية في تطوير الذكاء الاصطناعي وتطبيقه. فعلى سبيل المثال، تتضمن استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 بنوداً لاستراتيجية القيادة وقانوناً حكومياً بشأن الاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي، مما يعكس نهجاً استباقياً لحوكمة الذكاء الاصطناعي الأخلاقية [4]. وتعتبر هذه الرؤية الاستشرافية أمراً حيوياً لبناء الثقة العامة وضمان تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها بمسؤولية.

ومع ذلك، فإن مشهد الحوكمة لا يخلو من التحديات، لا سيما الناجمة عن التوترات الجيوسياسية. وتُسلط الضغوط الأمريكية على دولة الإمارات، والمتمثلة في التحقيق بشأن علاقات شركة G42 بالصين وإعادة توجيه استثمارات صندوق 42XFund لاحقاً، الضوءَ على عملية الموازنة الدقيقة المطلوبة [1]. إذ تواجه دولة الإمارات مطالب بتقليص اعتمادها على العتاد والاستثمارات الصينية لتلبية الشروط الأمريكية، مما يخلق بيئة معقدة لنقل التكنولوجيا. ويستلزم ذلك تخطيطاً استراتيجياً دقيقاً واستشارات قانونية قوية لضمان الامتثال للّوائح الدولية مع مواصلة السعي لتحقيق الطموحات الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي. وتؤكد قدرة دولة الإمارات على التعامل مع هذه الضغوط الخارجية بالتوازي مع الحفاظ على شراكاتها الاستراتيجية مع الصين على حنكتها الدبلوماسية والتزامها برؤيتها طويلة المدى في مجال الذكاء الاصطناعي. ولا تتطلب هذه الموازنة مهارة دبلوماسية فحسب، بل تستدعي أيضاً تطوير أطر قانونية وسياساتية مرنة قادرة على التكيف مع تطورات العلاقات الدولية.

وعلى الرغم من هذه الضغوط الخارجية، فإن التكامل المتبادل بين الصين ودولة الإمارات يفرض في كثير من الأحيان استمرار هذا التعاون. فعندما يتعذر الوصول إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الغربية، تصبح الصين شريكاً لا غنى عنه تقريباً لدولة الإمارات، إذ تقدم قدرات متقدمة في مجالات مثل التعرف على الوجه، والمدن الذكية، والذكاء الاصطناعي الطبي [1]. وغالباً ما تدفع هذه الضرورة الاستراتيجية نحو تطوير حلول قانونية وحوكمية مخصصة تتيح استمرار التعاون مع مراعاة المخاوف الدولية. كما يُظهر تشكيل فريق عمل مشترك وإطلاق مبادرات في إطار الشراكة الإماراتية الصينية بقيمة 5 مليارات دولار في أوائل عام 2025 نهجاً استباقياً لهيكلة هذه الشراكات ضمن معايير قانونية وتشغيلية محددة [3]. وغالباً ما تشمل هذه المبادرات اتفاقيات مفصلة بشأن تبادل البيانات، وحقوق الملكية الفكرية، وآليات تسوية النزاعات، وتهدف جميعها إلى خلق بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ تخدم التعاون طويل الأجل.

علاوة على ذلك، باتت الآثار الأخلاقية لتطوير الذكاء الاصطناعي وتطبيقه جانباً محورياً في الحوكمة على نحو متزايد. وتدرك كل من الصين ودولة الإمارات أهمية تطوير الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، ومعالجة المخاوف المتعلقة بالخصوصية، والتحيز، والمساءلة. وفي حين لا تزال أطر العمل المشتركة المحددة للأخلاقيات في مجال الذكاء الاصطناعي قيد التطور، فإن الالتزام بالاستخدام الآمن والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، كما هو موضح في استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، يوفر أساساً متيناً للجهود التعاونية المستقبلية في هذا المجال الحيوي. وسيكون هذا الفهم المشترك للتطوير المسؤول للذكاء الاصطناعي حاسماً للحفاظ على الثقة العامة وضمان النمو المستدام لاقتصاد الذكاء الاصطناعي.

في النهاية، تُعد الإدارة الفعالة للملكية الفكرية ووجود إطار حوكمة واضح وقابل للتكيف أمرين حاسمين للنمو المستدام للشراكة بين الصين ودولة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي. وتضمن هذه العناصر حماية الابتكار، وعدالة التعاون، وتحقيق المنافع الاقتصادية من البحث والتطوير المشترك ونقل التكنولوجيا لكلا البلدين، مما يسهم في تحقيق رؤيتهما المشتركة لاقتصاد ذكاء اصطناعي مزدهر.

الخاتمة

يمثل الابتكار التعاوني بين الصين ودولة الإمارات العربية المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي شراكةً استراتيجية من شأنها أن تحدث تأثيراً عميقاً ودائماً في القدرة التنافسية الاقتصادية لكلا البلدين. وكما فصّل هذا التقرير، يمتد هذا التعاون ليشمل نطاقاً شاملاً من الأنشطة، بدءاً من حوارات السياسات الرفيعة المستوى والتبادلات التعليمية، ووصولاً إلى المشاريع المشتركة المعقدة للشركات ومبادرات البحث والتطوير المشتركة. ولا يقتصر هذا التعاون المتعدد الأوجه على كونه مجرد معاملات عابرة، بل هو دليل على رؤية مشتركة لمستقبل يقوده الذكاء الاصطناعي، حيث يدعم التقدم التكنولوجي التنويع الاقتصادي، ويعزز القدرات الوطنية، ويضمن مكانة بارزة في الاقتصاد الرقمي العالمي.

لقد أوجدت آليات التعاون، بما في ذلك المشاريع المشتركة واتفاقيات الترخيص والمشاريع البحثية المشتركة، إطاراً قوياً لنقل التكنولوجيا والتطوير المشترك. وتجد البراعة التكنولوجية الصينية، لا سيما في مجالات مثل التعرف على الوجوه، والمدن الذكية، والذكاء الاصطناعي الطبي، شريكاً متقبلاً وطموحاً في دولة الإمارات، التي تعمل بوتيرة متسارعة على بناء بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي وقاعدتها من المواهب والكفاءات. وتؤدي مساهمات المؤسسات الأكاديمية، وعلى رأسها جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI) بمشاركتها الصينية البارزة، دوراً فعالاً في إعداد الجيل القادم من قادة الذكاء الاصطناعي وتعزيز ثقافة البحث العلمي المتطور. ويضمن هذا التكامل الأكاديمي تدفقاً مستمراً للابتكار، مما يسد الفجوة بين الإنجازات النظرية والتطبيقات العملية.

وتتم إدارة المسار من المختبر إلى السوق بدقة متناهية من خلال شراكات مؤسسية استراتيجية واستثمارات مالية ضخمة؛ إذ لا تقتصر أنشطة كبرى شركات التكنولوجيا الصينية على العمل في دولة الإمارات فحسب، بل تستثمر بفعالية في البحث والتطوير المحلي، وتؤسس مقرات إقليمية، وتتعاون في مشاريع بنية تحتية واسعة النطاق. وتجسد الشراكة الصينية الإماراتية بقيمة 5 مليارات دولار، والتي أُطلقت في أوائل عام 2025، الالتزام بتحويل الأبحاث إلى منتجات وخدمات مجدية تجارياً، مما يسهم في توفير فرص العمل وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية. ويتعزز مسار التسويق التجاري هذا بفضل استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 الاستباقية، والتي تهدف إلى ترسيخ مكانة الدولة كوجهة عالمية رائدة في استثمارات الذكاء الاصطناعي وخلق قطاعات اقتصادية جديدة وعالية القيمة.

ورغم ما يفرضه المشهد الجيوسياسي من تعقيدات، لا سيما فيما يتعلق بالضغوط الخارجية على الشراكات التكنولوجية لدولة الإمارات، فإن الأهمية الاستراتيجية للصين كشريك في مجال الذكاء الاصطناعي تظل راسخة دون تغيير. ويضمن التكامل المتبادل—حيث تقدم الصين قدرات متطورة في الذكاء الاصطناعي وتوفر دولة الإمارات مركزاً مرناً للابتكار وبوابة إلى الأسواق الإقليمية—مرونة هذا التعاون ومواصلة تعميقه. ويتمتع كلا البلدين بالقدرة على التعامل مع هذه التحديات بكفاءة، مما يبرهن على نهج براغماتي في الحوكمة وإدارة الملكية الفكرية يضع الأهداف الاستراتيجية طويلة الأجل في صدارة الأولويات.

وختاماً، فإن الابتكار التعاوني بين الصين ودولة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي يتجاوز كونه مجرد سلسلة من المشاريع الفردية؛ بل هو تحالف استراتيجي يُعيد صياغة مساراتهما الاقتصادية بشكل جوهري. فمن خلال تعزيز البحث والتطوير المشترك، وتسهيل نقل التكنولوجيا، وبناء منظومات متكاملة وقوية للتسويق التجاري، لا يقتصر دور البلدين على تسريع وتيرة أجندتيهما الخاصة بالذكاء الاصطناعي فحسب، بل يسهمان أيضاً بشكل ملموس في الدفع بعجلة التطور العالمي للذكاء الاصطناعي. ومن المتوقع أن يُحدث الأثر طويل الأجل لهذه الشراكة تحولاً جذرياً يرسخ مكانتيهما كمهندسين رئيسيين لاقتصاد الذكاء الاصطناعي المستقبلي، ويضمن تحقيق تنافسية اقتصادية مستدامة وسيادة تكنولوجية لعقود قادمة.


المراجع

[1] يوان، سيكي. «العلاقات الصينية الإماراتية في مجال الذكاء الاصطناعي». MEPEI، 11 أغسطس 2024. https://mepei.com/china-uae-relations-in-artificial-intelligence/
[2] "المقر الرئيسي لشركة SenseTime في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في أبوظبي (2019)". SenseTime, 2019. https://www.sensetime.com/en/news-detail/3911?categoryId=1072
[3] "الإمارات والصين تبرمان شراكة بقيمة 5 مليارات دولار لتعزيز الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والبنية التحتية". ProXperts, 2025. https://proxperts.ae/blog/uae-and-china-forge-5-billion-partnership-to-boost-ai-renewable-energy-and-infrastructure
[4] "استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031". U.ae, 2031. https://u.ae/en/about-the-uae/strategies-initiatives-and-awards/strategies-plans-and-visions/government-services-and-digital-transformation/uae-strategy-for-artificial-intelligence

موجز UECN

مستجدات السياسات، وأخبار الأعمال بين الصين والإمارات، ورؤى القطاعات، تصلك مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.

اللغة
الاشتراكات

تأكيد الاشتراك المزدوج: سنرسل لك رابط تأكيد. يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت. الخصوصية