في عصر يتسم بضرورة عالمية ملحة لإزالة الكربون والتحول نحو مصادر الطاقة المستدامة، ترسم الشراكة المتنامية بين الصين ودولة الإمارات العربية المتحدة مساراً استثنائياً. ورغم تجذر هذا التحالف الاستراتيجي تاريخياً في تجارة الهيدروكربونات التقليدية، إلا أنه يتطور بسرعة، حيث يبرز الهيدروجين كأفق واعد ومحوري جديد. يتعمق هذا المقال في المنظور الصناعي، والمسار التاريخي، والإمكانات المستقبلية للتعاون في مجال الطاقة بين الصين والإمارات، مؤكداً أن الهيدروجين مهيأ ليصبح حجر زاوية لطموحاتهما الاقتصادية والبيئية المشتركة، بما يدفع عجلة الابتكار ويعزز النمو المستدام.
يشهد مشهد الطاقة العالمي تحولاً عميقاً؛ حيث تلتزم الدول في جميع أنحاء العالم بأهداف طموحة للوصول إلى الحياد المناخي الصفري، مدفوعة بتفاقم أزمة المناخ والفرص الاقتصادية التي توفرها التقنيات الخضراء. ويقف الهيدروجين في طليعة هذا التحول بفضل تنوع استخداماته كناقل للطاقة وقدرته على تحقيق انبعاثات تقارب الصفر عند إنتاجه بطرق مستدامة. وتدرك كل من الصين ودولة الإمارات، بصفتهما قوتين اقتصاديتين تتمتعان بنقاط قوة متمايزة ومتكاملة، الأهمية الاستراتيجية للهيدروجين. ولا يعد تعاونهما في هذا القطاع الناشئ مجرد استمرار لروابط الطاقة الراسخة بينهما، بل يشكل قفزة نوعية نحو مستقبل تتلاقى فيه متطلبات أمن الطاقة مع حماية البيئة.
ازدهرت العلاقات بين الصين ودولة الإمارات على مدى عقود، متطورة من مجرد تبادل تجاري تقليدي للنفط مقابل السلع المصنعة إلى شراكة استراتيجية شاملة تشمل التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والثقافة. ويوفر هذا الثقة الراسخة والمنفعة المتبادلة أساساً متيناً لخوض مجالات الطاقة الجديدة المعقدة والكثيفة رأس المال. ومع تحول العالم بعيداً عن الوقود الأحفوري، تعيد الدولتان معايرة استراتيجياتهما في مجال الطاقة بصورة استباقية؛ إذ تعمل الإمارات، وهي عملاق تقليدي في مجال النفط والغاز، على تنويع اقتصادها ومزيج الطاقة لديها بشكل حثيث عبر مبادرات مثل رؤية 2030، متطلعة إلى أن تصبح رائدة عالمياً في الطاقة المتجددة وإنتاج الهيدروجين الأخضر. وفي الوقت نفسه، تسعى الصين، بصفتها أكبر مستهلك للطاقة في العالم وعملاق التصنيع العالمي، بقوة إلى تحقيق أهدافها المزدوجة للكربون—الوصول إلى ذروة الانبعاثات الكربونية قبل عام 2030 وتحقيق الحياد الكربوني قبل عام 2060—مع قيام الهيدروجين بدور حاسم في خططها لإزالة الكربون من القطاع الصناعي وتعزيز أمن الطاقة.
يمهد هذا التلاقي بين الطموحات الوطنية والموجهات الاستراتيجية الطريق لعهد غير مسبوق من التعاون. ولا يمثل «أفق الهيدروجين» مجرد تحول تكنولوجي، بل يجسد رؤية مشتركة لتحقيق المرونة الاقتصادية، والمسؤولية البيئية، والريادة العالمية في مسار التحول نحو الطاقة النظيفة. ومن خلال الاستفادة من نقاط القوة لدى كل منهما—الموارد الوفيرة للطاقة المتجددة في الإمارات وموقعها الاستراتيجي، والقدرة الصناعية الهائلة للصين وبراعتها التكنولوجية وحجم طلبها الاستهلاكي الضخم—تستعد الدولتان لإطلاق الإمكانات الكاملة للهيدروجين، وتحويله من ناقل طاقة متخصص إلى ركيزة أساسية لروابط الطاقة الثنائية، وبالتالي لمستقبل الطاقة العالمي ككل. ويستعرض هذا المقال كيف تسهم هذه الشراكة ليس فقط في إعادة صياغة العلاقات الثنائية بينهما، بل وفي تقديم نموذج رائد للتعاون الدولي سعياً نحو تحقيق مستقبل مستدام.
II. الأسس التاريخية: من النفط إلى مصادر الطاقة المتجددة
يرتبط مسار التعاون في مجال الطاقة بين الصين والإمارات ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد الهيدروكربوني العالمي. فعلى مدى عقود، اتسمت العلاقة بصورة أساسية بدور دولة الإمارات كمورد حيوي للنفط والغاز للاقتصاد الصيني سريع النمو. وقد أرست هذه الدبلوماسية المبكرة في مجال الطاقة أساساً قوياً، وعززت الاعتماد الاقتصادي المتبادل والتوافق الاستراتيجي. ووجد طلب الصين المتنامي على الطاقة لتغذية نموها الصناعي شريكاً موثوقاً في الإمارات، الدولة التي حباها الله باحتياطيات هيدروكربونية هائلة وبيئة سياسية مستقرة. وشهدت تلك الفترة استثمارات كبيرة واتفاقيات تجارية رسخت مكانة الإمارات كمزود رئيسي للطاقة في آسيا، ومكانة الصين كمستهلك ومستثمر رئيسي في قطاع الطاقة في الشرق الأوسط [1].
ومع ذلك، ومع تقدم القرن الحادي والعشرين، أدركت الدولتان ضرورة التنويع الاقتصادي والتحول نحو نماذج طاقة أكثر استدامة. وقد انطلقت دولة الإمارات، في ظل قيادتها الرشيدة، في مسيرة طموحة للحد من اعتمادها على النفط والغاز، وهو ما تجسد في مبادرات مثل رؤية 2030. ويهدف هذا الإطار الاستراتيجي إلى تحويل الإمارات إلى اقتصاد قائم على المعرفة، مع التركيز القوي على الابتكار والتكنولوجيا والطاقة المتجددة. ويعد تطوير قطاع قوي للطاقة النظيفة حجر زاوية في هذا التنويع، بالاستفادة من الموارد الشمسية الوفيرة للدولة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي [2].
وبالمثل، أطلقت الصين، في مواجهة الضغوط البيئية المتزايدة ورغبة في تحقيق أمن الطاقة بعيداً عن الوقود الأحفوري، استراتيجيتها الشاملة الخاصة للتحول في مجال الطاقة؛ حيث تبرز
أهداف الكربون المزدوجة للبلاد—الوصول إلى ذروة انبعاثات الكربون قبل عام 2030 وتحقيق الحياد الكربوني قبل عام 2060—التزاماً عميقاً بإزالة الكربون. وقد أدى ذلك إلى استثمارات ضخمة في تقنيات الطاقة المتجددة، مما جعل الصين رائدة عالمياً في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية [3].
وعلى خلفية هذه الاستراتيجيات الوطنية المتطورة، بدأ التعاون في مجال الطاقة بين الصين والإمارات يوسع نطاقه ليتجاوز الهيدروكربونات التقليدية. وشهدت التجارب الأولى في مجال الطاقة الخضراء تعاوناً في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مما أرسى الأساس لشراكة أكثر تنوعاً. ورغم تواضع حجم هذه المبادرات الأولى مقارنة بتجارة النفط، إلا أنها كانت ذات أهمية بالغة في إثبات الالتزام المشترك باستكشاف آفاق جديدة للطاقة وبناء الخبرات المتبادلة في التقنيات المتجددة. كما شكلت جسراً حيوياً نقل العلاقات من التركيز الأساسي على الوقود الأحفوري إلى حوار أوسع في مجال الطاقة يشمل الآن على نحو متزايد الإمكانات الواعدة للهيدروجين [4].
ثالثاً. حتمية الهيدروجين: رؤية مشتركة
وفر ظهور الهيدروجين كعنصر حاسم في التحول العالمي للطاقة زخماً قوياً جديداً للتعاون بين الصين والإمارات. وقد صاغت الدولتان استراتيجيات طموحة لتطوير اقتصادات الهيدروجين لديهما، إدراكاً لقدرته على إزالة الكربون من القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها، والعمل كناقل مرن للطاقة.
رسّخت دولة الإمارات العربية المتحدة مكانتها كدولة رائدة عالمياً في إنتاج الهيدروجين منخفض الكربون. وتهدف استراتيجيتها الوطنية للهيدروجين 2050 إلى تعزيز مكانتها بصورة جوهرية كمنتج ومورّد للهيدروجين منخفض الانبعاثات. وبحلول عام 2031، تستهدف دولة الإمارات قدرة إنتاجية تبلغ 1.4 million tonnes per annum (mtpa) من الهيدروجين منخفض الكربون، بما يشمل الهيدروجين الأخضر والأزرق والوردي. ويحظى هذا الهدف الطموح بدعم الموارد الشمسية الوفيرة للدولة، والتي تعد مثالية لإنتاج الهيدروجين الأخضر عبر التحليل الكهربائي، إلى جانب بنيتها التحتية الحالية للغاز الطبيعي التي تتيح تسهيل إنتاج الهيدروجين الأزرق باستخدام تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه (CCS) [5]. كما يعزز الموقع الاستراتيجي لدولة الإمارات، مع إمكانية الوصول إلى ممرات الشحن الرئيسية، إمكاناتها كمصدّر رئيسي للهيدروجين.
ومن ناحية أخرى، ترى الصين أن الهيدروجين عنصر لا غنى عنه لتحقيق أهدافها المزدوجة للكربون وتعزيز أمن الطاقة. وتؤكد خارطة طريق الهيدروجين في البلاد على كل من الإنتاج والتطبيق الصناعي الواسع. وتهدف الصين إلى إنتاج ما بين 100,000 إلى 200,000 طن من الهيدروجين منخفض الكربون سنوياً بحلول عام 2025، وتأسيس منظومة تطوير متكاملة نسبياً لصناعة الهيدروجين. وتركز استراتيجيتها على دمج الهيدروجين في أنظمة الطاقة الكهربائية والحرارية، واستبدال الفحم والغاز الطبيعي في العمليات الصناعية، وتطوير مركبات خلايا وقود الهيدروجين. وتسهم القاعدة الصناعية الضخمة للصين وتطوراتها التكنولوجية، لا سيما في تصنيع أجهزة التحليل الكهربائي، في ترسيخ مكانتها كطرف رئيسي في خفض تكاليف إنتاج الهيدروجين واستخدامه على الصعيد العالمي [6].
تتجلى بوضوح أوجه التكامل بين الطلب والقدرات التكنولوجية لدى الصين من جهة، والإمكانات الإنتاجية والموقع الاستراتيجي لدولة الإمارات من جهة أخرى؛ إذ يمكن لدولة الإمارات الاستفادة من مزاياها التنافسية في مجالات الطاقة المتجددة واحتجاز الكربون لتصبح مورّداً موثوقاً للهيدروجين منخفض التكلفة ومنخفض الكربون. في حين يمكن للصين، بفضل طلبها الصناعي الهائل وقدراتها التصنيعية المتقدمة، أن توفر السوق والتكنولوجيا اللازمتين لتوسيع نطاق إنتاج الهيدروجين واستخدامه. ويخلق هذا التكامل أساساً متيناً لشراكة متبادلة المنفعة، تتيح لدولة الإمارات تنويع صادراتها من الطاقة، وتُمكّن الصين من تأمين مصدر طاقة نظيفة لجهودها في إزالة الكربون.
IV. المنظور الصناعي: قيادة التحول الاقتصادي
يُترجم التوافق الاستراتيجي بين الصين ودولة الإمارات في قطاع الهيدروجين إلى تعاون صناعي ملموس، يقود تحولاً اقتصادياً كبيراً في كلا البلدين. وتتميز هذه الشراكات باستثمارات ضخمة، ومشاريع مشتركة، وتبادل قوي للتكنولوجيا والخبرات، بهدف بناء سلسلة قيمة شاملة للهيدروجين.
الاستثمار وتطوير البنية التحتية: يضخ كلا البلدين رؤوس أموال كبيرة بنشاط في مشاريع الهيدروجين. ولدى دولة الإمارات العديد من مشاريع الهيدروجين قيد التطوير بقيمة تبلغ نحو $1.7 billion، مع تطلعات لتوريد حصة كبيرة من السوق العالمية للهيدروجين منخفض الكربون [7]. كما تتطلع الشركات الصينية بشكل متزايد إلى الاستثمار في هذه المشاريع، مقدمةً ليس فقط رأس المال المالي بل أيضاً خبرة واسعة في تطوير البنية التحتية واسعة النطاق. وتتشكل مشاريع مشتركة لبناء مرافق إنتاج الهيدروجين، وشبكات النقل، وحلول التخزين، مما يؤسس لمنظومات صناعية جديدة. فعلى سبيل المثال، تتعاون شركة "مصدر" الإماراتية، الرائدة عالمياً في مجال الطاقة المتجددة، مع شركات طاقة صينية في مشاريع الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، دعماً لمبادرة الإمارات الاستراتيجية للحياد المناخي بحلول 2050 [8]. ومن الشراكات البارزة الأخرى، التعاون بين مجموعة الفنار للغاز وشركة سيمنس للطاقة (Siemens Energy)، بالتركيز على تطوير حلول الهيدروجين وتحويل الطاقة إلى وقود وبدائل أخرى (power-to-X) دعماً لأهداف الحياد المناخي في الإمارات، مما يعكس انخراطاً أوسع مع مزودي التكنولوجيا الدوليين [9].
التبادل التكنولوجي والابتكار: يعد تبادل التكنولوجيا والخبرات جانباً بالغ الأهمية في هذا التعاون الصناعي. وقد أحرزت الصين تقدماً ملحوظاً في تقنيات الهيدروجين، لا سيما في تصنيع المحللات الكهربائية القلوية وخلايا الوقود، وغالباً بتكلفة أقل مقارنة بنظيراتها الغربية [10]. وتستفيد دولة الإمارات، بالتوازي مع استثمارها المكثف في أبحاثها وتطويرها الخاصين، من خبرة الصين في توسيع نطاق تطبيق هذه التقنيات. وفي المقابل، تقدم خبرة دولة الإمارات في مشاريع الطاقة المتجددة واسعة النطاق وتقنيات احتجاز الكربون رؤى قيّمة لجهود الصين في إزالة الكربون. ويسهم هذا التعلم المتبادل ونقل التكنولوجيا في تعزيز الابتكار وتسريع وتيرة تطوير حلول هيدروجين أكثر كفاءة وأقل تكلفة، بدءاً من الإنتاج وحتى تطبيقات الاستخدام النهائي.
الأثر الاقتصادي: من المتوقع أن يثمر التعاون الصناعي في قطاع الهيدروجين عن فوائد اقتصادية ملموسة؛ حيث يساهم في خلق فرص عمل جديدة في مجالات التصنيع، والهندسة، والبحث، والخدمات اللوجستية. وبالنسبة لدولة الإمارات، يمثل هذا التعاون خطوة حاسمة في استراتيجيتها للتنويع الاقتصادي، والحد من الاعتماد على العائدات النفطية التقليدية، وتأسيس صناعات تصديرية جديدة. أما بالنسبة للصين، فإنه يضمن إمدادات مستقرة من الطاقة النظيفة، ويدعم خفض انبعاثات صناعاتها الثقيلة، ويفتح آفاقاً جديدة لقطاعي التكنولوجيا والتصنيع لديها في سوق الهيدروجين العالمية. كما يبشر تطوير البنية التحتية للهيدروجين بإنشاء طرق تجارية جديدة وتوطيد الروابط الاقتصادية بين البلدين، مما يعزز شراكتهما الاستراتيجية في مشهد الطاقة العالمي المتطور.
V. استشراف المستقبل: التحديات والفرص
إن المسار نحو اقتصاد هيدروجيني متكامل، رغم كونه واعداً، لا يخلو من التحديات؛ إذ يتعين على كل من الصين ودولة الإمارات، في جهودهما المشتركة، التعامل مع مشهد معقد يتضمن عقبات تكنولوجية، واعتبارات اقتصادية، وأطراً تنظيمية. ومع ذلك، تقابل هذه التحديات فرصٌ هامة للريادة العالمية، وتعزيز أمن الطاقة، وإحداث أثر بيئي عميق.
التحديات: يظل أحد التحديات الرئيسية متمثلاً في القدرة التنافسية من حيث التكلفة للهيدروجين الأخضر مقارنة بالوقود الأحفوري وحتى الهيدروجين الرمادي. ورغم انخفاض التكاليف سريعاً بفضل التقدم التكنولوجي ووفورات الحجم، لا تزال هناك حاجة إلى استثمارات كبيرة لجعل الهيدروجين الأخضر مجدياً اقتصادياً في جميع التطبيقات. العقبات التكنولوجية لا تزال مستمرة في مجالات مثل التحليل الكهربائي الفعال واسع النطاق، وتخزين الهيدروجين، والنقل الآمن عبر مسافات طويلة. كما يعد وضع أطر تنظيمية قوية وموحدة أمراً بالغ الأهمية لتسهيل الاستثمار، وضمان السلامة، وتوفير بيئة عمل متكافئة لمشاريع الهيدروجين. علاوة على ذلك، فإن الخدمات اللوجستية والنقل الخاصة بالهيدروجين، لا سيما في التجارة الدولية، تفرض تحديات هندسية وتحديات في البنية التحتية تتسم بالتعقيد، وتتطلب خطوط أنابيب جديدة، ومرافق تسييل، وسفن شحن متخصصة [11].
الفرص: على الرغم من هذه التحديات، فإن الفرص التي تتيحها شراكة مزدهرة بين الصين ودولة الإمارات في مجال الهيدروجين هائلة. فمن خلال الاستثمار المشترك في البحث والتطوير، وتبادل أفضل الممارسات، يمكن لكلا البلدين تسريع وتيرة الابتكار، وخفض التكاليف والتغلب على الحواجز التكنولوجية. ويؤهل هذا التعاون كلاً منهما ليصبحا رائدين عالميين في اقتصاد الهيدروجين، وتحديد المعايير وتوجيه مسار هذه الصناعة الناشئة. وبالنسبة لدولة الإمارات، يوفر الهيدروجين مساراً نحو أمن الطاقة على المدى الطويل واستمرار دورها المؤثر في عالم خالٍ من الكربون، مما يحول دورها من مصدر تقليدي للطاقة إلى قوة رائدة في مجال الطاقة النظيفة. أما بالنسبة للصين، فإنه يوفر أداة بالغة الأهمية لـ التخفيف من آثار تغير المناخ، مما يتيح إزالة الكربون من قطاعها الصناعي والحد من تلوث الهواء. ومعاً، يمكنهما تعزيز منظومة طاقة جديدة أكثر مرونة واستدامة وأقل تأثراً بالتقلبات الجيوسياسية في أسواق الوقود الأحفوري. كما يمكن لتعاونهما أن يشكل نموذجاً قوياً لـ التعاون بين بلدان الجنوب في مواجهة تحديات المناخ العالمية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة [12].
الدعم السياسي والتعاون الدولي: سيعتمد نجاح هذا الأفق الجديد للهيدروجين اعتماداً كبيراً على الدعم المستمر للسياسات من كلا الحكومتين. ويشمل ذلك تقديم حوافز لإنتاج الهيدروجين واستهلاكه، وتوفير بيئات تنظيمية مواتية، وتمويل البحث والتطوير. كما سيكون التعاون الدولي، متجاوزاً النطاق الثنائي، أمراً حيوياً أيضاً. إذ سيساعد التفاعل مع الهيئات الدولية، والمشاركة في المبادرات العالمية للهيدروجين، والتعاون مع الدول الأخرى في توحيد معايير التقنيات، ومواءمة اللوائح، وبناء سوق عالمية للهيدروجين. ويمكن للشراكة بين الصين ودولة الإمارات أن تؤدي دوراً رائداً في الدعوة إلى هذه الجهود الدولية وصياغتها.
سادساً. الخاتمة: رسم مسار مستدام
إن مسيرة التعاون في مجال الطاقة بين الصين ودولة الإمارات، والتي ارتبطت تقليدياً بتدفقات النفط والغاز الموثوقة، تبحر الآن نحو آفاق تحولية واعدة يقودها الهيدروجين. وقد أبرز هذا المقال كيف أن الهيدروجين ليس مجرد وقود بديل، بل هو ضرورة استراتيجية تعيد صياغة العلاقات الثنائية في مجال الطاقة، وتدفع كلا البلدين نحو مستقبل من الابتكار الصناعي والنمو المستدام.
من الأسس التاريخية لدبلوماسية النفط إلى الرؤية المشتركة الحالية لمستقبل خالٍ من الكربون، يعكس تطور هذه الشراكة تكيفاً عملياً مع تحولات الطاقة العالمية. وتخلق أهداف الإنتاج الطموحة والاستثمارات الاستراتيجية لدولة الإمارات، مقترنة بالقدرة الصناعية الهائلة للصين وريادتها التكنولوجية وطلبها الضخم، تكاملاً قوياً. ويتجلى هذا التعاون الصناعي بالفعل في مشاريع مشتركة كبرى، وتبادلات تكنولوجية، وتطوير بنى تحتية جديدة، بما يبشر بفوائد اقتصادية كبيرة وخلق فرص عمل واعدة.
ورغم استمرار التحديات المتمثلة في تنافسية التكلفة، والعقبات التكنولوجية، والتعقيدات اللوجستية، فإن الفرص المتاحة للصين ودولة الإمارات لتبرزا كقوتين رائدتين عالمياً في اقتصاد الهيدروجين هائلة. ومن شأن جهودهما المتضافرة تسريع الانتقال نحو مستقبل الطاقة النظيفة، وتعزيز أمن الطاقة، وتقديم نموذج ملهم للتعاون الدولي في مواجهة تغير المناخ. وسيكون دعم السياسات الاستباقي والالتزام بالتعاون الدولي من كلا الحكومتين أمراً حاسماً في تذليل العقبات وإطلاق كامل إمكانات هذه الشراكة.
ومن خلال رسم هذا المسار المستدام، لا تؤمن الصين ودولة الإمارات مستقبل الطاقة لديهما فحسب، بل تسهمان أيضاً بشكل بارز في التحول العالمي للطاقة. ويُعد «أفق الهيدروجين» شاهداً على بعد نظرهما، ومرونتهما، والتزامهما المشترك ببناء عالم أكثر استدامة وازدهاراً. ويقف تعاونهما كمنارة توضح كيف يمكن للشراكات الاستراتيجية أن تحول التحديات العالمية إلى فرص للابتكار والنمو وكوكب أكثر نظافة.
المراجع
[1] The-Report. (2025, June 30). الإمارات والصين: صياغة التقدم العالمي. تم الاسترجاع من https://www.the-report.com/reports/united-arab-emirates/uae-teo/the-uae-and-china-shaping-global-progress/
[2] U.ae. (n.d.). الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين. تم الاسترجاع من https://u.ae/en/about-the-uae/strategies-initiatives-and-awards/strategies-plans-and-visions/environment-and-energy/national-hydrogen-strategy
[3] CSIS. (2023, December 11). دور الصين الجوهري في تحولات الطاقة بدول الخليج. تم الاسترجاع من https://www.csis.org/analysis/chinas-essential-role-gulf-states-energy-transitions
[4] HROne. (2025, August 19). ما هو التعاون بين الإمارات والصين في مجال الطاقة الخضراء؟ اكتشف الأثر التحولي! مسترجع من https://hrone.com/blog/what-is-the-uae-china-green-energy-collaboration-discover-the-transformative-impact/
[5] Norton Rose Fulbright. (2025, July 21). فهم الهيدروجين واحتجاز الكربون وتخزينه في دولة الإمارات. تم الاسترجاع من https://www.nortonrosefulbright.com/en-us/knowledge/publications/d3663d42/understanding-hydrogen-and-ccs-in-the-uae
[6] Eversheds Sutherland. (2025, January 20). الصين: سياسات جديدة تعزز الهيدروجين منخفض الكربون في القطاع الصناعي. تم الاسترجاع من https://www.eversheds-sutherland.com/en/saudi-arabia/insights/china-new-policies-boost-low-carbon-hydrogen-in-industrial-sector
[7] FuelCellsWorks. (n.d.). الإمارات لديها 6 مشاريع هيدروجين بقيمة $1.7bln قيد التطوير. تم الاسترجاع من https://fuelcellsworks.com/news/uae-has-6-hydrogen-projects-worth-1-7bln-under-development
[8] ProXperts. (2025, May 15). الإمارات والصين تبرمان شراكة بقيمة 5 مليارات دولار لتعزيز الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والبنية التحتية. تم الاسترجاع من https://proxperts.ae/blog/uae-and-china-forge-5-billion-partnership-to-boost-ai-renewable-energy-and-infrastructure
[9] FuelCellsWorks. (2025, May 28). مجموعة الفنار للغاز وسيمنس للطاقة تتعاونان في حلول الهيدروجين وتحويل الطاقة إلى وقود بديل (Power-to-X) في دولة الإمارات. تم الاسترجاع من https://fuelcellsworks.com/2025/05/28/energy-innovation/new-partnership-to-advance-hydrogen-and-power-to-x-solutions-for-uae-net-zero-goals
[10] FCHEA. (n.d.). صعود الصين في اقتصاد الهيدروجين العالمي. تم الاسترجاع من https://fchea.org/the-rise-of-china-in-the-global-hydrogen-economy/
[11] ScienceDirect. (2023). الاستخدام المحتمل للهيدروجين في القطاع الصناعي بدولة الإمارات. تم الاسترجاع من https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0360544223015025
[12] Baker Institute. (2024, December 16). صياغة تحول الطاقة: التعاون بين الخليج والصين. تم الاسترجاع من https://www.bakerinstitute.org/research/shaping-energy-transition-gulf-china-collaboration



