مقدمة: استخدام الذكاء الاصطناعي في السلامة العامة والأمن الوطني
في عالم تتزايد فيه مستويات الترابط والتعقيد، يكتسب ترسيخ السلامة العامة والأمن الوطني أهمية قصوى. وتواجه دول العالم تهديدات متطورة ومستمرة، بدءاً من الهجمات السيبرانية المعقدة وصولاً إلى تحديات الأمن الحضري، مما يتطلب حلولاً مبتكرة تتجاوز النماذج التقليدية. وفي هذا السياق، برز الذكاء الاصطناعي كقوة تحولية تتيح قدرات غير مسبوقة لتعزيز اليقظة وتحسين الاستجابة والحد من المخاطر بصورة استباقية. إن تطبيقاته في مجالات السلامة العامة والأمن الوطني تعيد صياغة مفهوم الحماية بوتيرة متسارعة، مبشرةً بمستقبل تكون فيه المجتمعات أكثر أماناً ومرونة. ويمثل دمج الذكاء الاصطناعي تحولاً نوعياً ينقل الأمن من التدابير القائمة على رد الفعل إلى الوقاية الاستباقية الموجهة بالمعلومات الاستخباراتية، وهو أمر بالغ الأهمية في عصر يتسم بتهديدات غير متماثلة وعابرة للحدود ومتطورة تقنياً.
تاريخياً، اعتمد الأمن على الملاحظة البشرية والتحليل اليدوي. إلا أن الحجم الهائل للمعلومات الحديثة وسرعة تدفقها، إلى جانب تعقيد التهديدات، جعلا الأساليب التقليدية غير كافية. وتعمل الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بفضل الخوارزميات المتقدمة والتعلم الآلي، على معالجة كميات ضخمة من البيانات بسرعة ودقة فائقتين، مما يمكنها من رصد الأنماط والشذوذ والتهديدات التي يصعب على التحليل البشري إدراكها. وتمتد هذه البراعة التكنولوجية لتشمل العمل الشرطي التنبؤي، والمراقبة الذكية، ومراقبة الحدود، وحماية البنية التحتية الحيوية، والدفاع السيبراني. ومن خلال أتمتة المهام الروتينية—مثل مراقبة بث كاميرات الدوائر التلفزيونية المغلقة (CCTV) أو تدقيق الاتصالات الرقمية—وتوفير رؤى قابلة للتنفيذ، يُمكّن الذكاء الاصطناعي القوات الأمنية من تخصيص الموارد بكفاءة، والاستجابة بدقة، وحماية السكان بفعالية في نهاية المطاف. ومن المتوقع أن يشهد السوق العالمي للذكاء الاصطناعي في مجال الأمن نمواً متسارعاً، وهو ما يعكس قدرته على إحداث ثورة في رصد التهديدات والاستجابة لها. ويقود هذا النمو التطورات المتلاحقة في مجالات التعلم العميق، والرؤية الحاسوبية، ومعالجة اللغات الطبيعية، مما يتيح لأنظمة الذكاء الاصطناعي أداء مهام تحليلية معقدة، بدءاً من التعرف على الطرود المشبوهة ووصولاً إلى كشف الشذوذ في الجرائم المالية السيبرانية. كما أن قدرة الذكاء الاصطناعي على دمج البيانات من مصادر متباينة—مثل كاميرات المراقبة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وشبكات الاستشعار، والسجلات العامة—تسهم في تكوين صورة تشغيلية شاملة تعزز الوعي بالمواقف لدى الأجهزة الأمنية. وتتيح هذه الرؤية الشاملة الكشف المبكر عن التهديدات الناشئة والنشر الفعال للتدابير المضادة، مما يعزز المرونة الوطنية في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والأزمات الصحية العامة.
ومع ذلك، يتطلب نشر الذكاء الاصطناعي في المجالات الحساسة موازنة دقيقة بين تعزيز الأمن والاعتبارات الأساسية للخصوصية، والحريات المدنية، والحوكمة الأخلاقية. ويركز الحوار العالمي حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الأمن على تعظيم إمكانات الحماية مع وضع أطر متينة تضمن تطبيقه بمسؤولية وشفافية. ويعد هذا التوازن الدقيق أمراً حيوياً لتعزيز ثقة الجمهور وضمان توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة الصالح المجتمعي وتجنب أي عواقب غير مقصودة. وتعمل الهيئات الدولية والحكومات الوطنية بنشاط على تطوير مبادئ توجيهية ولوائح تنظيمية لمعالجة المعضلات الأخلاقية، مستهدفةً مستقبلاً يكون فيه الذكاء الاصطناعي قوياً وملتزماً بالمبادئ في آن واحد. ويكمن التحدي في إنشاء بيئات اختبار تنظيمية مرنة ورصينة في الوقت نفسه وأطر أخلاقية للذكاء الاصطناعي تواكب التطورات التكنولوجية المتسارعة وتكفل حماية حقوق الإنسان. وغالباً ما يتطلب ذلك إجراء حوارات تضم أطرافاً متعددة—من خبراء تقنيين، ومتخصصين في الأخلاقيات، وقانونيين، وممثلين عن المجتمع المدني—لصياغة إجماع حول المعايير المقبولة. فمن دون هذه الأطر، تصبح ثقة الجمهور عرضة للتراجع، مما قد يؤدي إلى أضرار مجتمعية غير مقصودة ويقوض الغاية الأمنية ذاتها التي صُمم الذكاء الاصطناعي لتعزيزها.
وفي ظل هذا المشهد، تتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة الذكاء الاصطناعي بصورة استباقية بوصفه ركيزة أساسية في استراتيجيتها للتنمية الوطنية والأمن. وانطلاقاً من رؤية طموحة لتصبح رائدة عالمياً في الابتكار التكنولوجي ومنارة للأمان، ضخت دولة الإمارات استثمارات نوعية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتطبيقاته. وتؤكد شراكاتها الاستراتيجية، ولا سيما مع الدول التي تمتلك قدرات متقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي، على نهج براغماتي للاستفادة من أحدث التقنيات لخدمة مواطنيها والمقيمين فيها. ويتناول هذا التقرير مسيرة دولة الإمارات في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن منظومتها الأمنية، مع التركيز على التعاون مع الصين، التي تُعد لاعباً عالمياً رئيسياً في هذا المجال. كما يستكشف التطورات التكنولوجية، والتداعيات الاستراتيجية، والاعتبارات الأخلاقية، والتوازن الدقيق بين الأمن والخصوصية الذي يحدد معالم هذه الشراكة المتنامية، مقدماً رؤى حول نموذج للأمن الوطني يستشرف المستقبل. وسيتطرق التقرير كذلك إلى كيفية تعامل دولة الإمارات مع المعطيات الجيوسياسية المحيطة بالذكاء الاصطناعي، بما يضمن استقلاليتها الاستراتيجية مع الاستفادة من التطورات التكنولوجية العالمية، وكيف يسهم هذا التعاون الفريد في تشكيل نماذج الأمن العالمية. وتقدم تجربة الإمارات دروساً قيّمة حول كيفية تموضع الدول استراتيجياً في نقطة التقاء الابتكار التكنولوجي بالأمن الوطني، مما يوفر بيئة آمنة في عالم يزداد تعقيداً.
المشهد الأمني في دولة الإمارات: رؤية لمجتمع آمن ومستقر
لطالما تميزت دولة الإمارات العربية المتحدة بالتزامها الراسخ بتوفير بيئة آمنة ومستقرة لمواطنيها والمقيمين على أرضها وزوارها. ولا يقتصر هذا الالتزام على كونه هدفاً للسياسات العامة فحسب، بل يمثل ركيزة أساسية لهويتها الوطنية وازدهارها الاقتصادي. ويتجلى النهج الاستباقي لدولة الإمارات في مجال الأمن من خلال استثماراتها المتواصلة في التقنيات المتقدمة، والأطر القانونية المتينة، والشراكات الدولية الاستراتيجية، بهدف الحفاظ على مكانتها المرموقة كواحدة من أكثر دول العالم أماناً. ويتأصل هذا التفاني في الأمن بعمق ضمن الوجدان الوطني، معبراً عن رؤية قيادية تضع سلامة السكان ورفاهيتهم في مقدمة أولوياتها. وتُعد معدلات الجريمة المنخفضة وجودة الحياة العالية في الدولة دليلاً ملموساً على فاعلية هذه التدابير الأمنية الشاملة.
ويقع في صميم التوجه الأمني الاستشرافي لدولة الإمارات طموحها استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031. أُطلقت بهدف صريح يتمثل في ترسيخ مكانة الدولة رائدةً عالمياً في مجال الذكاء الاصطناعي، وتتجاوز هذه الاستراتيجية مجرد التنويع الاقتصادي لتجعل من الذكاء الاصطناعي ممكّناً حيوياً لتعزيز السلامة العامة والأمن الوطني عبر مجالات متعددة [1]. تحدد الاستراتيجية إطار عمل شاملاً صُمم لتحقيق مستهدفات مئوية الإمارات 2071، مما يجعل دولة الإمارات في طليعة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وخلق أسواق جديدة ذات قيمة اقتصادية عالية. والأهم من ذلك أنها تسعى إلى تعزيز الأداء الحكومي من خلال أنظمة رقمية ذكية متكاملة، مع التركيز بشكل كبير على الدمج الكامل للذكاء الاصطناعي في الخدمات الطبية والأمنية. وتدرك هذه الرؤية الاستشرافية أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة للنمو الاقتصادي فحسب، بل هو ركيزة أساسية للحوكمة الحديثة وحماية المجتمع.
واستناداً إلى هذه الأهداف الاستراتيجية، تؤكد استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 بشكل مباشر على تداعياتها الأمنية العميقة عبر مختلف القطاعات الحيوية. فعلى سبيل المثال، في قطاع النقل، يُتوقع للذكاء الاصطناعي أن يقلل الحوادث بشكل كبير ويخفض التكاليف التشغيلية، مساهماً في بيئات حضرية أكثر أماناً وإدارة مرورية أكثر كفاءة، بما يشمل مراقبة حركة المرور المدعومة بالذكاء الاصطناعي وأنظمة سلامة المركبات ذاتية القيادة. وفي قطاع الصحة، يهدف الذكاء الاصطناعي إلى الحد من الأمراض المزمنة والخطيرة من خلال التحليلات التنبؤية والتشخيص المبكر، مما يعزز المرونة الوطنية. أما قطاع الفضاء فيستفيد من الذكاء الاصطناعي عبر التنفيذ الدقيق للتجارب وتقليل الأخطاء المكلفة، وهو أمر بالغ الأهمية لأمن الأقمار الاصطناعية وسلامة البيانات. وفي الطاقة المتجددة، يُحسّن الذكاء الاصطناعي إدارة المرافق، مما يضمن التشغيل المستقر والآمن للبنية التحتية الحيوية للطاقة. وبالنسبة إلى الموارد المائية، يُسهل الذكاء الاصطناعي التحليلات الخاصة بالمصادر المستدامة، وهو أمر حيوي للأمن القومي في المناطق الجافة. وعلى صعيد التكنولوجيا، يُتوقع من الذكاء الاصطناعي زيادة الإنتاجية وترشيد الإنفاق، مما يعزز الموارد المخصصة للمبادرات الأمنية ويدعم الدفاع الرقمي القوي. وفي التعليم، يسعى الذكاء الاصطناعي إلى خفض التكاليف وتعزيز الرغبة في التعلم، وبناء قوى عاملة ماهرة لابتكارات الأمن المستقبلية. وأخيراً، في البيئة، يهدف الذكاء الاصطناعي إلى زيادة معدلات التشجير، مساهماً في الأمن البيئي، وفي إدارة المرور، يسعى إلى تقليل الحوادث والازدحامات، مما يؤدي إلى سياسات أكثر فاعلية وطرقات أكثر أماناً. ويُظهر تشكيل مجلس الإمارات للذكاء الاصطناعي، إلى جانب ورش العمل والمبادرات الموجهة للجهات الحكومية، جهداً متضافراً لبناء القدرات الذاتية وضمان نهج موحد ومتقدم تكنولوجياً لمواجهة التحديات الأمنية.
علاوة على ذلك، يُعد التزام دولة الإمارات بجذب المواهب والاستثمارات العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي دليلاً على رؤيتها طويلة المدى. ويمثل تأسيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI) في عام 2019، كأول جامعة بحثية للدراسات العليا في مجال الذكاء الاصطناعي في العالم، دلالة واضحة على التفاني العميق في رعاية اقتصاد قائم على المعرفة وتعزيز الأبحاث المتقدمة التي يمكن أن تسهم مباشرة في الابتكارات الأمنية [2]. ويُبرز نموذج التعاون الدولي لجامعة MBZUAI، بمشاركة شخصيات صينية بارزة مثل أندرو تشي-تشي ياو من جامعة تسينغهوا والدكتور وان ليمين من علي بابا، الطابع الدولي لهذا المسعى. وبالمثل، مجموعة سينس تايم أنشأت مقرها الرئيسي للبحث والتطوير لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في أبوظبي في عام 2019، بدعم من مكتب أبوظبي للاستثمار (ADIO) في إطار برنامج المسرعات التنموية «غداً 21»، مما يسلط الضوء على نجاح دولة الإمارات في استقطاب كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. وتهدف هذه الشراكة إلى تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات، بما في ذلك تلك التي لها تطبيقات أمنية مباشرة، ومن المتوقع أن توفر مئات الوظائف الهندسية عالية المهارة [3]. وتأتي الشراكة الإماراتية الصينية بقيمة 5 مليارات دولار التي أُبرمت في عام 2025 لترسخ هذا الالتزام بصورة أكبر، مع تعاون G42 مع عمالقة التكنولوجيا في الصين في مجالات تعلم الآلة والبيانات الضخمة وحلول المدن الذكية، إلى جانب مبادرات البحوث المشتركة وبرامج تبادل المواهب [4]. وتتماشى هذه الشراكة مع مبادرة «الحزام والطريق» الصينية وخطط أبوظبي التوسعية، مستهدفةً تعزيز مساهمة الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي لدولة الإمارات وتوفير آلاف الوظائف.
وهكذا، يتسم المشهد الأمني في دولة الإمارات بتفاعل ديناميكي يجمع بين الرؤية الاستراتيجية، والتبني التكنولوجي، والتعاون الدولي. ومن خلال الدمج الاستباقي للذكاء الاصطناعي في نسيجها الوطني، لا تكتفي دولة الإمارات بتعزيز قدراتها الأمنية المباشرة فحسب، بل تضع أيضاً الأسس لمستقبل تشكل فيه التكنولوجيا حليفاً قوياً لحماية المجتمع ودفع عجلة التنمية المستدامة. ويرسخ هذا النهج الاستشرافي مكانة دولة الإمارات كنموذج بارز في تسخير الذكاء الاصطناعي لتحقيق أمن وطني شامل، مجسداً استراتيجية متكاملة تشمل الابتكار التكنولوجي، والتنويع الاقتصادي، وتنمية رأس المال البشري. وتضمن مساعي الدولة المتواصلة للاستباق والتصدي للتهديدات الناشئة، إلى جانب انفتاحها على الشراكات العالمية، استمرار ريادتها في تعزيز بيئة آمنة ومزدهرة.
حلول الأمن القائمة على الذكاء الاصطناعي في الصين: ريادة عالمية في التقنيات المتقدمة
صعدت الصين سريعاً لتصبح قوة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، لاسيما في مجالي الأمن والمراقبة. وقد ساهمت استراتيجيتها الوطنية الشاملة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب الاستثمارات الكبيرة من الحكومة والقطاع الخاص، في تنمية منظومة متكاملة تنتج بعضاً من أكثر الحلول الأمنية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تطوراً في العالم. وتعمل هذه التقنيات على إحداث تحول نوعي في المشهد الأمني الداخلي للصين، كما تشهد طلباً متزايداً من دول العالم، بما فيها دولة الإمارات، لتعزيز السلامة العامة. وتتميز وتيرة وحجم تطور الذكاء الاصطناعي الصيني في المجال الأمني بكونهما غير مسبوقين، مدفوعين بضرورة وطنية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي عبر الوسائل التكنولوجية، مما أدى إلى نشوء سوق محلي قوي يغذي المزيد من الابتكار.
وكانت شركات الذكاء الاصطناعي الصينية رائدة في تطوير تطبيقات متقدمة عبر مختلف الجوانب الأمنية. تقنية التعرف على الوجه، على سبيل المثال، شهدت انتشاراً واسعاً وتطويراً مستمراً. فقد طوّرت شركات مثل SenseTime وHikvision أنظمة تعرّف على الوجه عالية الدقة والكفاءة قادرة على التحديد الفوري للهوية، حتى في البيئات المعقدة. وتعد هذه الأنظمة جزءاً لا يتجزأ من مبادرات المدن الذكية، حيث تعزز السلامة العامة من خلال التحديد السريع للهوية، والتحكم في الوصول، وتتبع الأشخاص محل الاهتمام. وتمتد تطبيقاتها من تأمين الأماكن العامة ومراكز النقل والبنية التحتية الحيوية إلى تسهيل الإدارة الحضرية السلسة، بما في ذلك تسجيل الحضور الذكي والتعرف على كبار الشخصيات. وتجعل التحسينات المتواصلة في الدقة والسرعة، والتي تعتمد غالباً على تقنيات التعلم العميق، من هذه الأنظمة أدوات قوية لمواجهة التحديات الأمنية المعاصرة.
وإلى جانب تقنية التعرف على الوجه، أنظمة المراقبة الذكية تشكل ركيزة أساسية أخرى من عروض الصين الأمنية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتستفيد هذه الأنظمة من الذكاء الاصطناعي لتحليل تدفقات بيانات الفيديو الضخمة، حيث تكتشف تلقائياً أوجه الخلل والسلوكيات المشبوهة والتهديدات المحتملة بأدنى حد من التدخل البشري. وتتيح ميزات مثل الكشف عن الأجسام، والتحليل السلوكي (مثل اكتشاف الشجارات، والأمتعة المتروكة دون مراقبة، وحركات الحشود غير العادية)، ومراقبة الحشود اتباع نهج أمني استباقي، والانتقال إلى ما هو أبعد من المراقبة السلبية نحو التقييم الذكي للتهديدات. ويسهم دمج الذكاء الاصطناعي مع الكاميرات عالية الدقة، والتصوير الحراري، وأجهزة الاستشعار المتصلة بالشبكة في إنشاء نطاق حماية ذكي، مما يعزز قدرات أفراد الأمن بشكل كبير من خلال توفير تنبيهات في الوقت الفعلي ووعي شامل بالحالة الأمنية. وتعمل هذه الأنظمة على تقليل الإنذارات الخاطئة وإعطاء الأولوية للتهديدات الحقيقية، مما يحسن توزيع الموارد. وعلاوة على ذلك، يتيح دمج البيانات من مختلف أجهزة الاستشعار والمصادر تكوين رؤية أكثر شمولية للمواقف الأمنية، مما يسهم في اتخاذ قرارات مدروسة.
العمل الشرطي التنبؤي يعد مجالاً ناشئاً تحقق فيه حلول الذكاء الاصطناعي الصينية خطوات واسعة. فمن خلال تحليل البيانات الجنائية التاريخية، واتجاهات وسائل التواصل الاجتماعي، والمعلومات الديموغرافية، وغيرها من نقاط البيانات ذات الصلة، يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي تحديد بؤر الجريمة المحتملة والتنبؤ بالحوادث المستقبلية بدقة. ويتيح ذلك لأجهزة إنفاذ القانون نشر الموارد بصورة أكثر استراتيجية، والتدخل قبل وقوع الجرائم، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى خفض معدلات الجريمة. ورغم أن هذا المجال لا يزال في مرحلة التطور، فإن إمكانات العمل الشرطي التنبؤي في إحداث تحول في إدارة الأمن الحضري هائلة، حيث يقدم نهجاً قائماً على البيانات للحفاظ على النظام العام. ويشمل ذلك تحديد الأنماط في الجرائم البسيطة، وتوقع الاضطرابات العامة واسعة النطاق، بل وحتى التنبؤ بالمخاطر الفردية بناءً على التحليلات السلوكية. وبينما تدور مناقشات حثيثة حول التداعيات الأخلاقية لمثل هذه الأنظمة، فإن قدرتها على تعزيز السلامة العامة أمر لا جدال فيه.
علاوة على ذلك، تأتي الشركات الصينية في طليعة تطوير حلول المدن الذكية التي تدمج مختلف مكونات أمن الذكاء الاصطناعي في منصة متماسكة للإدارة الحضرية. وتجمع هذه المنصات بين المراقبة الذكية، وإدارة المرور، والاستجابة لحالات الطوارئ، والرصد البيئي، وجميعها مدعومة بالذكاء الاصطناعي لإنشاء مدن أكثر أماناً وكفاءة وملاءمة للعيش. فعلى سبيل المثال، كانت شركة هواوي طرفاً فاعلاً رئيسياً في تطوير مثل هذه الحلول على مستوى العالم، بما في ذلك التعاون مع مدن مثل دبي، مما يبرهن على قابلية تصدير الخبرات الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي وقدرتها على التكيف. وتهدف منصات المدن الذكية هذه إلى خلق بيئة حضرية متصلة وسلسة حيث يعمل الذكاء الاصطناعي كجهاز عصبي مركزي، مما يحسن كل شيء بدءاً من تدفق وسائل النقل العام وحتى إرسال خدمات الطوارئ. وقد شهدت مبادرة "دبي 10X"، التي تسعى إلى وضع دبي في مكانة تسبق المدن العالمية الأخرى بعشر سنوات، تعاوناً مع هواوي في تطوير حلول متقدمة للمدن الذكية، مما يرسخ هذه الشراكة بصورة أكبر [2].
في جوهر الأمر، تتميز حلول الأمن بالذكاء الاصطناعي في الصين بشموليتها وتطورها التقني وقابليتها للتطبيق العملي. فهي توفر مجموعة من الأدوات القادرة على تعزيز قدرة الدولة بشكل ملحوظ في مجالات السلامة العامة والأمن الوطني، وتوفر قدرات متقدمة تكتسب أهمية بالغة للبيئات الحضرية الحديثة. وهذه البراعة التكنولوجية تجعل الصين شريكاً لا غنى عنه لدول مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، الملتزمة بالاستفادة من أفضل التقنيات المتاحة لتأمين مستقبلها. وقد أسهم التكامل المتبادل بين طموح دولة الإمارات لأن تصبح رائدة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي والقدرات الصينية المتقدمة في هذا المجال في تعزيز شراكة متينة، وتسهيل نقل التكنولوجيا في مجالات بالغة الأهمية مثل التعرف على الوجوه، والمدن الذكية، والذكاء الاصطناعي الطبي [2]. ولا يقتصر هذا التعاون على اقتناء التكنولوجيا فحسب، بل يمتد أيضاً إلى تبادل المعارف والخبرات، مما يساهم في إرساء مشهد عالمي أكثر أمناً وتطوراً من الناحية التكنولوجية.
عامل هيكفيجن وسينس تايم: ركائز أمن الذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات
تتشكل الشراكة المتنامية بين الصين ودولة الإمارات في مجال الأمن المدعوم بالذكاء الاصطناعي بشكل كبير بفضل شركات التكنولوجيا الصينية الرائدة، ولا سيما هيكفيجن وسينس تايم. ولم تقتصر هذه الشركات على تقديم حلول متطورة فحسب، بل أسست أيضاً حضوراً تشغيلياً عميقاً، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية الأمنية المتقدمة في دولة الإمارات. ويؤكد دورها هذا التوافق الاستراتيجي بين رؤية دولة الإمارات لمستقبل آمن والبراعة التكنولوجية للصين في الذكاء الاصطناعي، مما يعزز علاقة تكافلية مثمرة.
هيكفيجن، الشركة الرائدة عالمياً في مجال المراقبة بالفيديو، لعبت دوراً محورياً في تعزيز القدرات الأمنية لدولة الإمارات. وقد كان لمشاريعها في مجال تقنيات المراقبة المتقدمة دور فاعل في مختلف القطاعات، مساهمة في تعزيز السلامة العامة وحماية البنية التحتية في جميع أنحاء الإمارات [2]. وتشمل عروض هيكفيجن الشاملة كاميرات عالية الدقة، وأنظمة ذكية لإدارة الفيديو (VMS)، وتحليلات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لاكتشاف التهديدات في الوقت الفعلي، والتعرف على الوجوه، وقراءة لوحات المركبات، والتحليل السلوكي. ويجري نشر هذه الأنظمة في المناطق الحيوية — مثل المراكز الحضرية، وشبكات النقل، والمنشآت التجارية، والبنية التحتية الوطنية الحيوية — مما يوفر طبقة أمنية شاملة وذكية. كما أن قدرة الشركة على تقديم حلول قابلة للتطوير وقوية وقابلة للتخصيص جعلت منها شريكاً مفضلاً للمبادرات الأمنية واسعة النطاق، مما يضمن بقاء المنظومة الأمنية في دولة الإمارات في طليعة الابتكار. ويضمن التزام هيكفيجن بالبحث والتطوير تحديث الحلول باستمرار لمواجهة التحديات الأمنية المتطورة.
مجموعة سينس تايم، الشركة الرائدة عالمياً في برمجيات الذكاء الاصطناعي، وخاصة في مجالي الرؤية الحاسوبية والتعلم العميق، رسخت أيضاً حضوراً استراتيجياً بارزاً في دولة الإمارات. وقد ترسخ التزامها مع تأسيس مقر أبحاث وتطوير لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا (EMEA) في أبوظبي عام 2019 [3]. وتهدف هذه الخطوة الاستراتيجية، المدعومة من مكتب أبوظبي للاستثمار (ADIO) في إطار برنامج مسرعات "غداً 21"، إلى تعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، بما في ذلك الأمن. وتوفر خبرات سينس تايم في التعرف على الوجوه، واكتشاف الأجسام، وتحليل الصور، والواقع المعزز، مكونات أساسية في الذكاء الاصطناعي للمراقبة الذكية المتقدمة، والعمل الشرطي التنبؤي، والإدارة الحضرية الذكية. ويُعد مركز البحث والتطوير في أبوظبي مركزاً حيوياً للابتكار، ويُتوقع أن يوفر مئات الوظائف الهندسية عالية المهارة وأن يدفع عجلة تبني الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء منطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا. ويعكس هذا التكامل العميق التزاماً طويل الأجل بطموحات دولة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، مساهماً في تنمية رأس المال البشري وتحقيق الاكتفاء الذاتي تكنولوجياً. وتمتد شراكات سينس تايم إلى قطاعي الرعاية الصحية والتعليم، مما يبرز تنوع منصات الذكاء الاصطناعي التابعة لها ومساهمتها المحتملة في إطار أمني وطني شامل.
يتجاوز التعاون مع شركات مثل «هيكفيجن» و«سينس تايم» مجرد كونه علاقة بين مورد وعميل؛ بل يجسد شراكة استراتيجية أعمق. وغالباً ما يتضمن ذلك نقلاً كبيراً للتكنولوجيا، ومبادرات بحثية مشتركة، وبرامج لتطوير الكفاءات، مما يسهم بمجمله في تحقيق هدف دولة الإمارات الأوسع المتمثل في بناء منظومة محلية للذكاء الاصطناعي. ويسلط مقال معهد (MEPEI) الضوء على أنه عندما تواجه دولة الإمارات قيوداً في الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي الغربية، «تصبح الصين الخيار الوحيد تقريباً»، مؤكداً الدور الذي لا غنى عنه للشركات الصينية في التقدم التكنولوجي لدولة الإمارات [2]. وقد ساهم هذا التكامل المتبادل — طموح دولة الإمارات لتكون رائدة عالمياً في الذكاء الاصطناعي مقترناً بقدرات الصين المتقدمة في هذا المجال — في تسهيل نقل تكنولوجي كبير في مجالات مثل التعرف على الوجه والمدن الذكية. وتتأكد هذه الضرورة الاستراتيجية بشكل أكبر من خلال الشراكة الإماراتية الصينية بقيمة 5 مليارات دولار ما تم إبرامه في عام 2025، والذي يشمل شراكة G42 مع عمالقة التكنولوجيا الصينيين في مجالات التعلم الآلي، والبيانات الضخمة، وحلول المدن الذكية، مما يشير إلى دور مستمر ومتنامٍ للتكنولوجيا الصينية في مستقبل دولة الإمارات [4].
خلاصة القول، يمثل وجود «هيكفيجن» و«سينس تايم» ومشاركتهما الفعالة عنصرين حاسمين في استراتيجية دولة الإمارات للاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتعزيز الأمن الوطني. وتوفر تقنياتهما المتقدمة وعملياتهما المحلية الركيزة الأساسية للمراقبة الذكية، والتحليلات التنبؤية، وحلول المدن الذكية، مما يعزز مكانة دولة الإمارات كدولة آمنة ومتقدمة تكنولوجياً. وتجسد هذه الشراكة نهجاً عملياً لتعزيز الأمن، حيث يتم تسخير الخبرات العالمية الرائدة لتحقيق الأهداف الوطنية مع تعزيز الابتكار المحلي والتنويع الاقتصادي في الوقت ذاته. كما يبرهن النجاح المستمر لهذين التعاونين على قوة وأهمية العلاقات الاستراتيجية بين الصين والإمارات في رسم ملامح مستقبل الأمن القائم على الذكاء الاصطناعي.
الاعتبارات الأخلاقية والحوكمة: التعامل مع معضلة الاستخدام المزدوج للذكاء الاصطناعي
إن الدمج المتسارع للذكاء الاصطناعي في أطر الأمن الوطني والسلامة العامة، رغم ما يقدمه من مزايا لا مثيل لها، يثير حتماً مجموعة معقدة من الاعتبارات الأخلاقية وتحديات الحوكمة. وتتطلب طبيعة الاستخدام المزدوج للذكاء الاصطناعي — قدرته على تحقيق منافع مجتمعية هائلة وإمكانية إساءة استخدامه في آن واحد — اتباع نهج دقيق ومدروس لنشره. وبالنسبة لدول مثل دولة الإمارات، التي تأتي في طليعة تبني الذكاء الاصطناعي في قطاع الأمن، فإن الموازنة بين التقدم التكنولوجي والمبادئ الأساسية للخصوصية وحقوق الإنسان والمساءلة أمر بالغ الأهمية. ويتطلب ذلك حلولاً تكنولوجية متينة إلى جانب أطر قانونية وأخلاقية شاملة ومتطورة باستمرار.
يتمحور أحد النقاشات الرئيسية حول الخصوصية والمراقبة. حيث تقوم أنظمة المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك التعرف على الوجه، وتحليل نمط المشي، والرصد الذكي، بجمع ومعالجة كميات هائلة من البيانات الشخصية من الأماكن العامة. ورغم أهميتها البالغة في رصد التهديدات، ومكافحة الجريمة، والحفاظ على النظام العام، تثير هذه القدرات مخاوف مشروعة بشأن الرقابة الحكومية، وإمكانية المراقبة الجماعية، والحريات الفردية. ويكمن التحدي في وضع حدود واضحة، وآليات للحصول على الموافقة، وضمانات قوية لمنع تقويض الخصوصية مع تمكين العمليات الأمنية الفعالة في الوقت نفسه. ويشمل ذلك تحديد مفهوم «المساحة العامة» في العصر الرقمي، وتنظيم تخزين البيانات والوصول إليها، وضمان حقوق الأفراد في الاعتراض على القرارات القائمة على الخوارزميات.
ويتمثل بُعد أخلاقي بالغ الأهمية آخر في التحيز والإنصاف. إذ يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي المدربة على مجموعات بيانات متحيزة أو غير مكتملة أو غير ممثلة للواقع أن ترسخ التحيزات المجتمعية القائمة أو تضخمها عن غير قصد. وفي المجال الأمني، قد يؤدي ذلك إلى نتائج تمييزية، مثل الاستهداف غير المتناسب لفئات سكانية معينة، أو الخطأ في تحديد الهوية، أو التقييمات غير الدقيقة للتهديدات. ويتطلب ضمان العدالة والحياد إجراء اختبارات دقيقة، واستخدام مجموعات بيانات متنوعة، والتدقيق المستمر لمكافحة التحيز، وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI) لتحقيق قدر أكبر من الشفافية. والهدف هو بناء أنظمة ذكاء اصطناعي منصفة تتجنب أشكالاً جديدة من التمييز.
الشفافية والمساءلة عنصران جوهريان أيضاً في الحوكمة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي في قطاع الأمن. فالتعقيد الذي تتسم به نماذج الذكاء الاصطناعي، وخاصة شبكات التعلم العميق، قد يجعل عملية اتخاذ القرار فيها غامضة، مما يؤدي إلى مشكلة «الصندوق الأسود». وبالنسبة للتطبيقات الأمنية، حيث تؤثر القرارات تأثيراً عميقاً في حياة الأفراد، يعد فهم كيفية توصل أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى الاستنتاجات أمراً حاسماً. ويُعد إنشاء آليات للذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI) وتحديد مسؤولية واضحة عن القرارات الموجهة بالذكاء الاصطناعي أمراً ضرورياً لبناء الثقة العامة وضمان سبل الانتصاف في حال حدوث أخطاء أو سوء استخدام. ويشمل ذلك وضع بروتوكولات واضحة للإشراف البشري، ومراجعة مستقلة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، وأطر قانونية تحدد المسؤولية عن الأضرار الناجمة عن الذكاء الاصطناعي.
وإدراكاً لهذه التحديات متعددة الأوجه، بادرت دولة الإمارات إلى دمج الاعتبارات الأخلاقية بشكل استباقي في استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي؛ إذ استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 تنص صراحةً على «استراتيجية قيادية وقانون حكومي بشأن الاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي» [1]. ويعكس هذا الالتزام عزماً واضحاً على تطوير أطر تنظيمية قوية توجه التطوير والنشر المسؤولين للذكاء الاصطناعي. وتعد هذه القوانين والاستراتيجيات ضرورية لوضع معايير واضحة، وتحديد الاستخدامات المقبولة، وإرساء آليات الرقابة، وضمان خدمة الذكاء الاصطناعي للمصلحة العامة مع الحفاظ على القيم المجتمعية. كما يؤكد مجلس الإمارات للذكاء الاصطناعي ومختلف المبادرات الحكومية على هذا الالتزام بالابتكار المسؤول.
علاوة على ذلك، يضفي السياق الجيوسياسي للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، لا سيما مع شركاء مثل الصين، بعداً إضافياً من التعقيد الأخلاقي والتنظيمي. فالضغوط الأمريكية والتوترات الجيوسياسية التي أبرزتها نتائج الأبحاث فيما يتعلق بكيانات مثل G42 وعلاقاتها مع عمالقة التكنولوجيا الصينيين، تسلط الضوء على التدقيق الدولي الأوسع المفروض على شراكات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحساسة [2]. وفي حين تتعامل دولة الإمارات بحنكة مع هذه الضغوط الخارجية، يظل التزامها الداخلي بالحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية. ويعكس الحوار المستمر والتعديلات الجارية، مثل تعديل صندوق 42XFund في فبراير 2024، بيئة ديناميكية تتشابك فيها الاعتبارات الأخلاقية مع المصالح الوطنية الاستراتيجية والسيادة التكنولوجية. ويجسد نهج دولة الإمارات موازنة عملية تسخر التقنيات العالمية مع حماية المصالح الوطنية والمبادئ الأخلاقية.
ختاماً، تتميز مسيرة دولة الإمارات في تسخير الذكاء الاصطناعي لأغراض الأمن بسعي دؤوب لمعالجة المعضلات الأخلاقية المتأصلة فيه. فمن خلال إعطاء الأولوية للحوكمة الشاملة، وتعزيز الشفافية، والمشاركة الفاعلة في المناقشات الدولية، تهدف دولة الإمارات إلى الاستفادة من القوة التحويلية للذكاء الاصطناعي بمسؤولية. ويضمن هذا النهج أن تعزز الحلول الأمنية المدعومة بالذكاء الاصطناعي السلامة الوطنية مع صون مبادئ العدالة والخصوصية والمساءلة، بما يؤمن مستقبلاً آمناً وسليماً من الناحية الأخلاقية. وسيكون التطور المستمر لهذه الأطر أمراً حاسماً مع ازدياد انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطورها.
خاتمة: الموازنة بين الأمن والخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي، ودروس مستفادة من التجربة الصينية الإماراتية
تقدم مسيرة دولة الإمارات العربية المتحدة في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن أطر أمنها القومي وسلامتها العامة دراسة حالة مقنعة في كيفية التعامل مع تعقيدات القرن الحادي والعشرين. لقد تبنت دولة الإمارات الذكاء الاصطناعي استراتيجياً باعتباره ركيزة أساسية لرؤيتها الرامية إلى بناء مجتمع آمن ومتقدم تكنولوجياً. ويؤكد هذا النهج الاستباقي، المقترن باستثمارات ضخمة وشراكات استراتيجية لا سيما مع الصين، على تبني أسلوب عملي للاستفادة من أحدث التقنيات لدعم التنمية الوطنية وتعزيز الأمن. وتُظهر قيادة الدولة باستمرار رؤية استشرافية، حيث تنظر إلى الذكاء الاصطناعي ليس كمجرد أداة، بل كمُمكّن جوهري لتحقيق أهدافها الاستراتيجية طويلة المدى، بما في ذلك مئوية الإمارات 2071.
يُجسّد التعاون بين الصين ودولة الإمارات في حلول الأمن المدعومة بالذكاء الاصطناعي نموذجاً لعلاقة متبادلة المنفعة تقوم على المصالح المشتركة في التقدم التكنولوجي والاستقرار المجتمعي. وتوفر الصين، بفضل قدراتها المتقدمة في مجالات التعرف على الوجوه، والمراقبة الذكية، والعمل الشرطي التنبؤي، الخبرة التكنولوجية والبنية التحتية التي تتوافق بسلاسة مع الأهداف الأمنية الطموحة لدولة الإمارات. وقد أصبحت شركات مثل هيكفيجن (Hikvision) وسنس تايم (SenseTime) جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الأمنية لدولة الإمارات، مساهمةً بشكل بارز في مبادرات المدن الذكية، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتعزيز السلامة العامة عموماً. ولا تقتصر هذه الشراكة على الجانب التجاري فحسب؛ بل تشمل نقلاً عميقاً للتكنولوجيا، ومبادرات بحثية مشتركة، وبرامج لتطوير الكفاءات، مما يعزز التكامل الأعمق والرؤية المشتركة لمستقبل الذكاء الاصطناعي في مجال الأمن. وتتأكد الأهمية الاستراتيجية لهذا التعاون بشكل أكبر من خلال الشراكة الإماراتية الصينية بقيمة 5 مليارات دولار المُبرمة في عام 2025، والتي تهدف إلى تعزيز الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية، مما يعكس التزاماً مستداماً ومتنامياً بهذا التحالف التكنولوجي [4].
ومع ذلك، فإن توظيف الذكاء الاصطناعي في مثل هذه المجالات الحساسة ينطوي بطبيعته على توازن دقيق بين تعزيز الأمن وصون الحقوق الأساسية، لا سيما الخصوصية والحريات المدنية. وتكتسب الاعتبارات الأخلاقية المحيطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك المراقبة الشاملة، وانتهاكات خصوصية البيانات المحتملة، والتحيز الخوارزمي، والحاجة إلى الشفافية في اتخاذ القرار، وآليات المساءلة القوية، أهمية قصوى. وتُظهر دولة الإمارات، من خلال استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، التزاماً واضحاً بمعالجة هذه التحديات عبر التأكيد على أطر الحوكمة الصارمة والتشريعات المنظمة للاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي. ويهدف هذا النهج الاستشرافي إلى ضمان توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة لخدمة المجتمع، بدلاً من أن يكون مصدراً لتبعات غير مقصودة. كما يؤكد تأسيس مجلس الإمارات للذكاء الاصطناعي ومختلف المبادرات الحكومية على الجهود المتضافرة الرامية إلى تطوير بيئة تنظيمية تحفز الابتكار وتتمسك بالمعايير الأخلاقية.
تقدم الدروس المستفادة من التجربة الصينية الإماراتية دليلاً إرشادياً للدول الأخرى التي تواجه تحديات مماثلة في عصر الذكاء الاصطناعي. أولاً، الرؤية الاستراتيجية والاستثمار الاستباقي يمثلان ركيزتين أساسيتين. إن التزام دولة الإمارات المبكر والمستمر بالذكاء الاصطناعي، والمتمثل في الاستراتيجيات الوطنية الشاملة ومؤسسات مثل جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI)، قد نجح في استقطاب المواهب والتقنيات العالمية، مما رسخ مكانتها كمركز إقليمي للذكاء الاصطناعي. ثانياً، الشراكات الدولية العملية تعد حيوية لتسريع وتيرة تبني التكنولوجيا ونقل المعرفة. فعندما تواجه المسارات التقليدية لاكتساب التكنولوجيا قيوداً أو تكون غير كافية، فإن تنويع الشراكات، كما فعلت دولة الإمارات مع الصين، من شأنه توفير الوصول إلى القدرات الأساسية ودعم الابتكار. ثالثاً، أطر الحوكمة القوية والمعايير الأخلاقية يجب أن تتطور بالتوازي مع التطورات التكنولوجية. إن الالتزام بتطوير القوانين والسياسات التي تضمن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي يعد أمراً جوهرياً للحفاظ على ثقة المجتمع، والحد من المخاطر، وضمان استدامة مبادرات الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل. ويتضمن ذلك استمرار الحوار مع أصحاب المصلحة، والتعاون الدولي في أفضل الممارسات، وتطبيق آليات تنظيمية مرنة.
واستشرافاً للمستقبل، طوّرت حكومة دولة الإمارات صورة نموذجية جديدة لعرضها في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي لعام 2026. وتصور هذه الصورة، المعنونة «مستقبل الأمن المدعوم بالذكاء الاصطناعي»، مشهداً حضرياً مستقبلياً بواجهات هولوغرافية وطائرات مسيرة تعمل بالذكاء الاصطناعي تجوب الأجواء لحفظ الأمن. وهو ما يجسد رؤية دولة الإمارات لمستقبل متقدم تكنولوجياً وآمن، يتكامل فيه الذكاء الاصطناعي بسلاسة مع نسيج المجتمع.
واستشرافاً للمستقبل، تبدو الشراكة بين الصين ودولة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي مهيأة لمواصلة النمو والتطور. وعلى الرغم من الضغوط الجيوسياسية، فإن المنافع المتبادلة الناتجة عن هذا التعاون — وصول الصين إلى أسواق جديدة ووصول دولة الإمارات إلى قدرات متقدمة في الذكاء الاصطناعي — من شأنها تعزيز استدامة هذه الشراكة ومرونتها. وسينصب التركيز بشكل متزايد على تحسين التقنيات القائمة، واستكشاف تطبيقات جديدة في قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي الطبي والشبكات الذكية، وتوسيع مجالات البحث والتطوير المشتركة. وتشير مبادرات دولة الإمارات الأخيرة، مثل منتدى إنفستوبيا بكين في سبتمبر 2025 و مبادرة الإمارات للذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر، إلى التزام متواصل تجاه الانخراط العالمي والريادة في قطاع الذكاء الاصطناعي [2]. وسيعتمد النجاح النهائي لهذه الشراكة على قدرتها على التكيف المستمر مع التحولات التكنولوجية، والتعامل مع التعقيدات الجيوسياسية، والأهم من ذلك، التمسك بالمبادئ الأخلاقية التي يقوم عليها بناء مجتمع آمن وعادل. وبناءً على ذلك، تقدم التجربة الصينية الإماراتية نموذجاً قيماً لكيفية استفادة الدول استراتيجياً من الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني، مع السعي في الوقت ذاته نحو تحقيق التوازن بين الابتكار والمسؤولية.
المراجع
[1] حكومة دولة الإمارات. (د.ت). استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي. تم الاسترجاع من https://u.ae/en/about-the-uae/strategies-initiatives-and-awards/strategies-plans-and-visions/government-services-and-digital-transformation/uae-strategy-for-artificial-intelligence
[2] يوان، س. (11 أغسطس 2024). العلاقات بين الصين ودولة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي. MEPEI. تم الاسترجاع من https://mepei.com/china-uae-relations-in-artificial-intelligence/
[3] سنس تايم (SenseTime). (2019). سنس تايم تؤسس المقر الإقليمي للبحث والتطوير لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في أبوظبي. تم الاسترجاع من https://www.sensetime.com/en/news-detail/3911?categoryId=1072
[4] برو إكسبيرتس (ProXperts). (2025). الإمارات والصين تبرمان شراكة بقيمة 5 مليارات دولار لتعزيز الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والبنية التحتية. تم الاسترجاع من https://proxperts.ae/blog/uae-and-china-forge-5-billion-partnership-to-boost-ai-renewable-energy-and-infrastructure



