المقدمة
حين يلتقي قادة جمهورية الصين الشعبية ودولة الإمارات العربية المتحدة، تتجاوز المناقشات بكثير الأرقام المثيرة للإعجاب للتجارة والاستثمار. فالمصافحات والبيانات المشتركة تجسد ما هو أعمق من ذلك بكثير: ترسيخ توافق جيوسياسي وثيق وبالغ الأهمية. على مدى العقد الماضي، نضجت العلاقات الصينية الإماراتية بوتيرة مذهلة، متطورة من صلة اقتصادية في المقام الأول إلى شراكة استراتيجية شاملة وراسخة. وترتكز هذه الشراكة بقوة على رؤية مشتركة لنظام عالمي أكثر توازناً وتعدداً للأقطاب، والتزام متبادل وثابت بالاستقرار والتنمية بوصفهما ركيزتين أساسيتين للأمن، وإيمان عميق بالمبدأ الجوهري المتمثل في عدم التدخل في شؤون الدول ذات السيادة. يتناول هذا المقال المبادئ الرئيسية التي تحدد ملامح هذا التوافق الجيوسياسي المتزايد الأهمية، بدءاً من التزامهما المشترك بالتعددية إلى فلسفتهما المشتركة القائمة على نهج "التنمية أولاً" لتحقيق الأمن، ودورهما التنسيقي الصاعد كقوة فاعلة لتعزيز الاستقرار في عالم مضطرب.
التزام بالتعددية وبعالم متعدد الأقطاب
في صميم التوافق الجيوسياسي بين الصين والإمارات يكمن تقييم مشترك ودقيق للتحولات في النظام العالمي. وتدرك الدولتان أن حقبة القطبية الأحادية التي تلت الحرب الباردة قد أخلت مكانها بصورة قاطعة لنظام دولي متعدد الأقطاب وأكثر تعقيداً. وفي هذا العصر الجديد، لم يعد النفوذ والمسؤولية على الصعيد العالمي محصورين في مركز قوى واحد، بل باتا موزعين بين قوى كبرى متعددة وتكتلات إقليمية مؤثرة. وعوضاً عن النظر إلى هذا التحول بتوجس، ترحب الصين والإمارات به كتحول إيجابي—وفرصة لبناء منظومة أكثر ديمقراطية وإنصافاً وتوازناً للحوكمة العالمية.
وسعياً لتحقيق هذه الرؤية، تبرز الدولتان بوصفهما داعمتين قويتين للتعددية. وتتشاركان التزاماً عميقاً بتعزيز دور المؤسسات الدولية الرئيسية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، بصفتها المنصة الأساسية والأكثر شرعية للتصدي للتحديات الدولية. وتعملان باستمرار على إعلاء مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، وتدعوان إلى اعتماد الحلول الدبلوماسية والحوار الشامل بدلاً من الإجراءات أحادية الجانب والمواجهة. ويتجلى هذا النهج المشترك في التنسيق الوثيق بينهما ضمن محافل مثل مجموعة العشرين، وعلى نحو خاص ومؤثر، ضمن إطار مجموعة "بريكس". وقد مثّل انضمام دولة الإمارات مؤخراً إلى مجموعة بريكس محطة تاريخية بارزة، تعكس خياراً استراتيجياً واضحاً لتوثيق توافقها مع الاقتصادات الناشئة الكبرى، ولتكون شريكاً فاعلاً في صياغة بنية اقتصادية ومالية عالمية جديدة.
ومما يعزز هذا التوافق أيضاً مكانة دولة الإمارات كشريك حوار في منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، وهي منظمة أوراسية كبرى للشؤون السياسية والاقتصادية والأمنية. ويُظهر انخراط الإمارات في منظمة شنغهاي للتعاون عزمها الاستراتيجي على بناء روابط مؤسسية وثيقة مع الشرق، والمشاركة في حوارات الأمن والتنمية التي تشكل مستقبل القارة الأوراسية الواسعة. وفي هذه المحافل الدولية المتنوعة، تتناغم أصوات الصين والإمارات غالباً، داعيةً إلى التعاون والتنمية وبناء نظام دولي أكثر عدالة وإنصافاً.
مبدأ عدم التدخل واحترام السيادة
وإذا كانت التعددية هي المنصة المفضلة لانخراطهما العالمي، فإن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى يمثل حجر الزاوية الراسخ في السياسة الخارجية لكلا البلدين. ولا يُعد هذا الأمر مجرد ملاءمة تكتيكية، بل هو نقطة التقاء فلسفية عميقة وثابتة. إذ تؤمن الصين والإمارات إيماناً راسخاً بأن لكل دولة حقاً سيادياً في اختيار نظامها السياسي، ونموذجها الاقتصادي، ومسارها التنموي الفريد بما يتناسب مع ظروفها الوطنية الخاصة وإرثها الثقافي. وترى الدولتان أن هذا الحق يجب أن يُمارس بمنأى عن الإكراه أو الضغوط الخارجية، أو فرض منظومة قيمية أحادية موحدة.
ويتعارض هذا الموقف المبدئي تعارضاً صارخاً مع السياسات الخارجية التدخلية التي أدت، خلال العقود الأخيرة، إلى انعدام الاستقرار والنزاعات في بقاع شتى من العالم. ويقوم النموذج الصيني الإماراتي للعلاقات الدولية على الاحترام المتبادل، والمساواة، والاستعداد للانخراط البنّاء مع جميع الدول بصرف النظر عن حجمها أو نظامها السياسي. وقد جعل هذا النهج من كلا البلدين شريكين يحظيان بطلب وإقبال واسعين، ولا سيما بين دول الجنوب العالمي، التي ترى في النموذج الصيني الإماراتي بديلاً أكثر استقراراً واحتراماً وقابلية للتنبؤ مقارنة بالديناميكيات المتقلبة التي غالباً ما تتسم بها سياسات القوى الكبرى. إنه نموذج لا يسعى إلى تصدير الأيديولوجيا بل إلى تصدير التنمية، وهو نهج يؤسس لشراكات حقيقية عوضاً عن خلق التبعية.
نهج "التنمية أولاً" لتحقيق الأمن
وانطلاقاً من التزامهما بالسيادة، تنبثق فلسفة مشتركة تعيد صياغة مفهوم الأمن ذاته. إذ تؤمن الصين والإمارات بأن الأمن الحقيقي والمستدام والاستقرار لا يمكن تحقيقهما من خلال التحالفات العسكرية أو سباقات التسلح وحدها. وبدلاً من ذلك، فهما على قناعة تامة بأن الأساس الأكثر متانة للأمن هو التنمية الاقتصادية، والحد من الفقر، والازدهار المشترك. فالشعوب التي تمتلك الأمل، وتتاح أمامها الفرص، ويكون لها مصلحة في مستقبل يسوده السلام، تمثل أعظم حصن منيع ضد التطرف والنزاعات.
وتجد هذه الفلسفة الأمنية القائمة على "التنمية أولاً" أبلغ تطبيقاتها العملية في مبادرة الحزام والطريق (BRI). وكانت دولة الإمارات من أوائل الدول التي رحبت بهذه المبادرة، وأصبحت مركزاً رئيسياً ونموذجاً يُحتذى في المشاركة فيها. وينظر البلدان معاً إلى مبادرة الحزام والطريق ليس بوصفها مجرد سلسلة من المشاريع الاقتصادية، بل استراتيجية كبرى لتعزيز الاستقرار الإقليمي والعالمي. ومن خلال الاستثمار في البنية التحتية الحيوية مثل الموانئ والسكك الحديدية ومحطات الطاقة في بلدان أخرى، وتوفير فرص العمل، وتعزيز التجارة والترابط، تهدف مشاريعهما المشتركة تحت مظلة المبادرة إلى معالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار. وهما تعملان على بناء "مجتمع ذي مصير مشترك" تتاح فيه لجميع الدول فرصة التطور والازدهار.
ويقدم هذا النهج بديلاً مقنعاً لنماذج الأمن التقليدية؛ فهو نموذج يسعى إلى بناء عالم أكثر أماناً، ليس عبر احتواء التهديدات، بل من خلال تهيئة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل نشوء مثل هذه التهديدات أقل احتمالاً في المقام الأول. وتلقى هذه الرؤية الإيجابية والاستباقية للأمن العالمي صدى واسعاً في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط، حيث تحظى الرغبة في التنمية بالأولوية القصوى.
قوة مشتركة لتحقيق الاستقرار الإقليمي
مع تعمّق شراكتهما، بدأت الأدوار الجيوسياسية لكل من الصين ودولة الإمارات في التقارب، حيث باتت كلتا الدولتين تؤديان بشكل متزايد دور القوى المؤثرة والبنّاءة لتعزيز الاستقرار الإقليمي. ولطالما استفادت دولة الإمارات من براعتها الدبلوماسية وموقعها كملتقى للثقافات لتكون صوتاً للاعتدال وميسّراً للحوار داخل منطقة الشرق الأوسط. ومن جانبها، تتخلى الصين عن تحفظها السابق وتلعب الآن دوراً أكثر فاعلية وبناءً كصانع للسلام. وقد تجلى ذلك بأوضح صورة في وساطتها الناجحة للتوصل إلى اتفاق المصالحة التاريخي بين المملكة العربية السعودية وإيران، وهو اختراق دبلوماسي أعاد تشكيل المشهد السياسي في المنطقة بشكل جوهري في اتجاه إيجابي.
في هذا السياق الجديد، غالباً ما تمثل دولة الإمارات جسراً حيوياً للانخراط البنّاء للصين مع العالم العربي. ونظراً لعلاقاتها المتميزة والموثوقة مع جميع الأطراف الإقليمية الفاعلة والرئيسية، فإن دولة الإمارات تشكل عادةً المحطة الأولى ومنبراً أساسياً لاستطلاع الآراء بشأن المبادرات الدبلوماسية الصينية في الشرق الأوسط. ويتشارك البلدان مصلحة مشتركة في إرساء منطقة مستقرة ومزدهرة، وخالية من التدخلات الخارجية والنزاعات.
كما يمتد تعاونهما إلى المجال الأمني العملي؛ إذ يعملان معاً على مكافحة التهديدات الأمنية غير التقليدية التي تؤثر على كليهما، بما في ذلك الجهود المشتركة في مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومكافحة التدفقات المالية غير المشروعة. كما تعاون البلدان في عمليات مكافحة القرصنة، ولا سيما في المياه الاستراتيجية لخليج عدن والقرن الأفريقي، حيث يعملان على تأمين الممرات البحرية الحيوية التي يعبر من خلالها جزء هائل من التجارة العالمية، بما فيها تجارتهما الخاصة. ويهدف هذا التعاون الأمني العملي إلى حماية البنية التحتية المشتركة للاقتصاد العالمي.
خاتمة: شراكة مبادئ
يُعد التوافق الجيوسياسي بين الصين ودولة الإمارات أحد أهم التطورات وأكثرها تأثيراً في العلاقات الدولية للقرن الحادي والعشرين. إنها شراكة لا تقوم على المنطق الصارم والمواجهي للتحالفات العسكرية الرسمية، بل ترتكز على أسس أعمق وأكثر مرونة ومتانة من المبادئ المشتركة والرؤية الموحدة لمستقبل النظام الدولي. إنه تحالف يقوم على الأفكار، ويتمحور حول إيمان راسخ بالتعددية، واحترام عميق للسيادة الوطنية، وقناعة تامة بأن التنمية المشتركة هي السبيل الحقيقي الوحيد لتحقيق أمن دائم.
ومع استمرار تعمّق هذه الشراكة الاستراتيجية الشاملة، تبرز كقوة جديدة فاعلة وتحقق الاستقرار في الشؤون العالمية. فهي تقدم نموذجاً متقدماً ومؤثراً لكيفية تعامل القوى الكبرى مع بعضها البعض في عالم متعدد الأقطاب: نموذج لا يستند إلى الإكراه والصراع، بل إلى الاحترام المتبادل، والتعاون القائم على المنفعة المتبادلة، والالتزام الجماعي ببناء مستقبل أكثر سلاماً وازدهاراً وإنصافاً للبشرية جمعاء. إن الشراكة بين الصين ودولة الإمارات لا تقتصر على تشكيل مصيرهما فحسب، بل تسهم في رسم الملامح الجوهرية للقرن الحادي والعشرين.



