في عصر يتسم بتحولات في المشهد الجيوسياسي وضرورة عالمية ملحة لتحقيق التنمية المستدامة، تبرز شراكة الطاقة بين الصين ودولة الإمارات العربية المتحدة دليلاً قاطعاً على قوة التعاون الاستراتيجي. وبعيداً عن كونها مجرد علاقة تجارية عابرة، تطور هذا التحالف ليصبح نموذجاً متعدد الأوجه للتعاون، يجسد كيف يمكن لدول ذات هياكل اقتصادية متباينة ورؤى طويلة الأجل أن تصوغ مساراً مشتركاً يعود بالنفع على الطرفين. يتناول هذا المقال الركائز التاريخية، والتعقيدات الصناعية، والمسار المستقبلي الواعد لهذه الشراكة المتميزة، مسلطاً الضوء على أثرها الإيجابي ومقدماً دروساً قيّمة للدبلوماسية العالمية في مجال الطاقة.
تاريخ متجذر: من طرق الحرير القديمة إلى التحالفات الاستراتيجية الحديثة
إن العلاقات بين الصين والإمارات ليست وليدة العصر الحديث، بل هي علاقات متجذرة في قرون من التبادل والتعاون؛ إذ تعود أصولها إلى طريق الحرير القديم، ذلك الشريان التاريخي الذي لم يقتصر دوره على تسهيل تدفق البضائع فحسب، بل شمل أيضاً التبادل الحيوي للأفكار والثقافات والابتكارات عبر مسافات شاسعة. وقد أرست هذه الروابط التأسيسية الأساس المتين لشراكة حديثة ازدهرت لتصبح تحالفاً استراتيجياً شاملاً.
تأسست العلاقات الدبلوماسية الرسمية في عام 1984، مدشنةً بداية فصل جديد. وجاءت اللحظة الفارقة في عام 1990 عندما قام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الوالد المؤسس لدولة الإمارات، بزيارة تاريخية إلى الصين. وقد أرست هذه الرحلة التاريخية، وهي الأولى لرئيس دولة من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، سابقة بالغة الأهمية لتعميق العلاقات الثنائية. وعلى مدى العقود الأربعة التالية، أثمرت هذه الرؤية الثاقبة عن سلسلة مبهرة من أوجه التعاون، تجسدت في توقيع أكثر من 130 اتفاقية ثنائية ومذكرة تفاهم [1].
ويتجلى المظهر المعاصر لهذه الروابط التاريخية بوضوح في المشاركة الفاعلة لدولة الإمارات في مبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI). وقد أسهمت هذه الاستراتيجية التنموية العالمية الطموحة، والتي يشار إليها غالباً باسم طريق الحرير الحديث، في تعزيز الشراكات الاقتصادية، وبناء روابط جديدة، وتنمية التعاون عبر الحدود والثقافات. كما أدى التكامل بين الموقع الاستراتيجي لدولة الإمارات والرؤية التحتية التوسعية للصين إلى خلق محرك قوي للربط الإقليمي والعالمي.
تؤكد اللقاءات الرفيعة المستوى الأخيرة الحيوية الدائمة لهذه الشراكة. فخلال زيارة الدولة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد إلى الصين، تم توقيع 19 اتفاقية ومذكرة تفاهم إضافية. وشملت هذه الاتفاقيات قطاعات حيوية من بينها السياحة، والصناعة، والتكنولوجيا، والإعلام، ومبادرة الحزام والطريق، مما يعكس التزاماً متبادلاً بتوسيع جهود التعاون عبر مجالات استراتيجية متنوعة [1]. وتعد العوائد الاقتصادية لهذه الروابط المزدهرة ملموسة وكبيرة؛ ففي عام 2023، قفزت التجارة غير النفطية بين البلدين بنسبة 12% لتصل إلى 80.6 مليار دولار أمريكي. كما اتسمت التدفقات الاستثمارية بالقوة ذاتها، حيث استثمرت دولة الإمارات 11.4 مليار دولار أمريكي في الصين بين عامي 2003 و2022 عبر قطاعات مثل العقارات، والخدمات المالية، والطاقة الخضراء، والنقل. وفي الوقت نفسه، بلغت الاستثمارات الصينية في دولة الإمارات 6.9 مليار دولار أمريكي خلال الفترة نفسها، مما يبرز الطبيعة المتبادلة والمتوازنة لتعاونهما الاقتصادي [1].
يكشف هذا المسار التاريخي عن علاقة مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والرؤية الاستشرافية، مما يمهد الطريق لشراكة في مجال الطاقة تتسم بالمتانة والقدرة على التكيف لمواصلة تطورها.
التآزر الصناعي: نموذج للتعاون في مجال الطاقة
يُظهر البعد الصناعي لشراكة الطاقة بين الصين والإمارات نموذجاً متطوراً للتعاون يتجاوز مجرد تبادل الموارد؛ إذ يتميز باستثمارات استراتيجية، ونقل للتكنولوجيا، ومشاريع مشتركة تغطي كامل سلسلة القيمة لقطاع الطاقة، بدءاً من عمليات الاستكشاف والإنتاج في قطاع المنبع، وصولاً إلى التكرير والبتروكيماويات وتطوير الطاقة الجديدة في قطاع المصب.
ويعد حجر الزاوية في هذا التآزر الصناعي هو الشراكة الراسخة بين مؤسسة البترول الوطنية الصينية (CNPC) وشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك). وقد اكتسب هذا التعاون زخماً كبيراً في عام 2012 عندما أصبحت دولة الإمارات أول دولة خليجية تقيم شراكة استراتيجية مع الصين. كما عززت المواءمة بين مبادرة الحزام والطريق الصينية وأهداف الربط في مجال الطاقة لدولة الإمارات في عام 2013 هذه الروابط بشكل أكبر. وكانت من أبرز الثمار اتفاقية مشروع الياسات، التي أصبحت بموجبها CNPC شريكاً استراتيجياً في أصول الطاقة الحيوية في أبوظبي [2].
وتعمقت هذه الشراكة بشكل ملحوظ في عام 2017 مع تعيين CNPC قائداً للأصول لحقول "شمال شرق باب"، مما عزز تعاونهما الاستراتيجي في امتيازات النفط البرية بصورة كبيرة. كما مهّد الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى شراكة استراتيجية شاملة في عام 2018 الطريق لإبرام المزيد من الاتفاقيات، بما في ذلك التعاون بين CNPC وأدنوك في حقلي "أم الشيف ونصر" و"زاكوم السفلي" البحريين. وقد أرسى ذلك إطاراً شاملاً بحق يغطي العمليات البرية والبحرية ويدمج كامل سلسلة صناعة الاستكشاف والتطوير [2].
ومؤخراً، في مايو 2024، أصدرت حكومتا الصين ودولة الإمارات بياناً مشتركاً أكد على تعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والنفط والغاز الطبيعي. وأعقب ذلك سريعاً اتفاقية تعاون استراتيجي بين CNPC وأدنوك شملت النطاق الكامل لصناعة النفط والغاز. وتتضمن مجالات الاستكشاف، والبحوث، والتبادل التكنولوجي، والخدمات الهندسية، والتكرير، والبتروكيماويات، ومبيعات السوق، والتعاون في مشاريع الغاز الدولية، والتعاون في مجال الطاقة الجديدة، مما يجسد توافقاً استراتيجياً عميقاً [2].
وتسلط إسهامات CNPC الضوء على الفوائد العملية لهذا التعاون الصناعي. فبالاستفادة من مزاياها التكنولوجية في مكامن الكربونات منخفضة النفاذية، لعبت CNPC دوراً محورياً في زيادة الإنتاج وخفض التكاليف في حقول مثل "شمال شرق باب". كما انخرطت الشركتان في تعاون مستمر في مجالات متطورة مثل محاكاة المكامن، وتسريع عمليات الحفر، وحقول النفط الذكية. والجدير بالذكر أن
تقنية الاستكشاف الزلزالي "عريضة النطاق، واسعة السمت، وعالية الكثافة" تقدم دعماً فنياً حاسماً لجهود أدنوك الرامية إلى زيادة الإنتاج من الحقول الناضجة وتطوير موارد جديدة [2].
وفضلاً عن الاستكشاف والإنتاج، تمتد الشراكة لتشمل أعمال الإنشاءات الهندسية، من خلال مشاريع نوعية مثل مشروع الأعمال الخارجية لباب-بوحصا (AiP5 off-plot)، وخط أنابيب نقل الغاز الطبيعي المسال، ومشروع سوينغ (Project Swing)، والتي ساهمت بشكل ملحوظ في تعزيز قدرة أدنوك وكفاءتها التشغيلية. كما أسهمت خدمات الحفر عالية الجودة والكفاءة التي تقدمها شركة CNPC في خفض تكاليف التطوير لدى أدنوك. وفي قطاع المعدات، تجسد منصات الحفر الهجينة التابعة لـ CNPC الالتزام بالاستدامة عبر الحد من استهلاك الوقود والانبعاثات بفضل المراقبة الذكية والإدارة عن بُعد [2].
ويشمل هذا التعاون أيضاً تجارة النفط والغاز، حيث تشارك CNPC بفاعلية في تجارة النفط الخام، والغاز الطبيعي، والنفط المكرر، والمواد الكيميائية، كما تمتلك حصة كبيرة بصفتها المساهم الصيني الوحيد في بورصة أبوظبي للعقود الآجلة. وعلاوة على ذلك، يمثل تطوير الكفاءات جانباً محورياً، وذلك عبر برامج التبادل المعرفي التي تصقل الخبرات التقنية والإدارية، فضلاً عن دعم CNPC لسياسة التوطين في دولة الإمارات من خلال استقطاب المواهب المحلية وتنميتها [2].
ولم تغب المسؤولية المجتمعية عن المشهد، حيث تعمل CNPC على دعم تعليم اللغة الصينية في دولة الإمارات واستكشاف مسارات التنمية الخضراء في استكشاف الطاقة. كما يرسخ التزام شركة بتروتشاينا (PetroChina) بميثاق خفض انبعاثات قطاع النفط والغاز خلال مؤتمر COP28 تفاني الشراكة في الحفاظ على البيئة [2]. ويجسد هذا الحضور الصناعي الشامل نموذجاً تتلاقى فيه القدرات التكنولوجية والاستثمارات الاستراتيجية والأهداف الإنمائية المشتركة لبناء منظومة طاقة قوية ومستدامة.
المسار المستقبلي: الطاقة الخضراء والريادة العالمية
يتحدد مستقبل شراكة الطاقة بين الصين والإمارات بصورة متزايدة من خلال رؤية مشتركة للطاقة الخضراء والتنمية المستدامة؛ إذ يدرك كلا البلدين الحتمية الملحة للتحول نحو مصادر طاقة أنظف، ليس للتصدي لتغير المناخ فحسب، بل وأيضاً لتعزيز التنويع الاقتصادي وتحقيق الازدهار على المدى الطويل. وقد جعل هذا التوافق من تعاونهما نموذجاً رائداً للتعاون الدولي في مسار التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
إن التعاون الإماراتي الصيني في مجال الطاقة الخضراء هو شراكة تحولية تقود مسيرة تبني التكنولوجيا النظيفة، والتنويع الاقتصادي، والنمو المستدام في جميع أنحاء الشرق الأوسط وآسيا. وقد أضحى هذا التحالف قوة مركزية في صياغة استراتيجيات الطاقة المتجددة العالمية، وتحفيز الاستثمار العابر للحدود، وخلق فرص جديدة للشركات المشاركة في ثورة الطاقة الخضراء [3].
وقد انطلقت هذه المسيرة فعلياً في عام 2018، مع مواءمة البلدين لطموحاتهما في العمل المناخي والنمو الاقتصادي من خلال التكنولوجيا المستدامة. وأظهرت دولة الإمارات التزاماً راسخاً تمثل في زيادة قدرة الطاقة المتجددة بنسبة 21% بين عامي 2021 و2023، وضخ استثمارات ضخمة بقيمة 1.2 billion دولار في مشاريع شمسية جديدة. وتتكامل الصين، بصفتها دولة رائدة عالمياً في تصدير التكنولوجيا الخضراء، مع ذلك بخبرات متطورة وقدرات تصنيعية واسعة النطاق. ويحظى الدور الحاسم لمثل هذه الشراكات الدولية في تحقيق الأهداف المناخية العالمية باعتراف واسع النطاق [3].
وشهدت الاستثمارات الخضراء العابرة للحدود بين آسيا والشرق الأوسط نمواً لافتاً بنسبة 35% من عام 2022 إلى عام 2023. كما حفز هذا النمو تطوير القوى العاملة، حيث سجلت دولة الإمارات زيادة بنسبة 15% في الطلب على المتخصصين في مجال الطاقة المتجددة خلال العام الماضي [3].
وتبرهن المشاريع الكبرى على نجاح هذه الشراكة؛ حيث يعد مشروع "نور أبوظبي"، الذي يعد حالياً أكبر محطة مستقلة للطاقة الشمسية في موقع واحد في العالم بطاقة إنتاجية تبلغ 1.2 GW من الكهرباء، رمزاً قوياً للتعاون بين الإمارات والصين. وفي عام 2022، استثمرت الإمارات أكثر من 2.4 billion دولار في مصادر الطاقة المتجددة، وسط تنامٍ مستمر لمشاركة الصين. وقد أسفرت المشاريع المشتركة بالفعل عن خفض الانبعاثات الكربونية الإقليمية بنسبة 17% في عام 2023، وباتت الشراكة تُصنف كمحرك رئيسي للاستدامة الإقليمية والعالمية [3].
ويتضح أثر مشاريع الطاقة الخضراء هذه على المستويين البيئي والاقتصادي؛ حيث نمت قدرة الطاقة المتجددة في الإمارات بنسبة 40% بين عامي 2022 و2024، ويعود الفضل الأكبر في ذلك إلى هذه الجهود المشتركة، مما أسهم بشكل بارز في التزام الإمارات بتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050 (Net Zero by 2050). وتفيد وزارة التغير المناخي والبيئة بانخفاض انبعاثات قطاع الطاقة بنسبة 15% منذ عام 2022 [3]. وإلى جانب المكاسب البيئية، وفر هذا التعاون أكثر من 10,000 وظيفة خضراء في دولة الإمارات خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، وسرّع من وتيرة الابتكار في أنظمة الشبكات الذكية وتطوير تقنيات الطاقة الشمسية [3].
وبالنظر إلى المستقبل، يتأهب قطاع الطاقة الخضراء بين الإمارات والصين لمزيد من التوسع؛ ففي عام 2023، تم توقيع اتفاقيات جديدة لمشاريع الطاقة الشمسية والهيدروجين، مستهدفة رفع قدرة الطاقة المتجددة بنسبة 30% بحلول عام 2027. وتفيد وكالة الطاقة الدولية بأن القدرة العالمية لتوليد الكهرباء من مصادر متجددة ارتفعت بنسبة 50% في عام 2023، في أسرع وتيرة تشهدها خلال عقدين، مما يبرز الأهمية الدولية لمثل هذه الشراكات. ومن المتوقع أن تتجاوز استثمارات الطاقة الخضراء في الشرق الأوسط 150 billion دولار بحلول عام 2025، لتشكل الشراكات الدولية، مثل الشراكة الإماراتية الصينية، ركيزة أساسية لتحقيق أهداف الحياد المناخي العالمية [3].
الخاتمة: نموذج للتحول العالمي في مجال الطاقة
تقدم شراكة الطاقة بين الصين والإمارات، بفضل روابطها التاريخية، وتعاونها الصناعي المتين، والتزامها المستقبلي بالطاقة الخضراء، نموذجاً ملهماً للعالم. وهي تبرهن على أن التحالفات الاستراتيجية القائمة على الاحترام المتبادل والأهداف الاقتصادية والبيئية المشتركة قادرة على تجاوز الانقسامات الجيوسياسية التقليدية لدفع التنمية المستدامة وتحقيق الازدهار العالمي. وفي الوقت الذي يواجه فيه العالم تعقيدات أمن الطاقة وتغير المناخ، توفر الدروس المستفادة من هذه الشراكة الديناميكية بارقة أمل وخارطة طريق عملية لبناء مستقبل أكثر ترابطاً واستدامة.
المراجع
[1] WAM.ae. (2024, June 3). 40 عاماً من العلاقات بين الإمارات والصين: نحو تعاون عالمي ونمو اقتصادي. تم الاسترجاع من https://www.wam.ae/en/article/13y4lco-years-uae-china-towards-global-cooperation
[2] HAO NAN. (2025, September 1). التنمية عالية الجودة لشركة CNPC في دولة الإمارات. China Daily. Retrieved from https://www.chinadaily.com.cn/a/202509/01/WS68b51611a3108622abc9e331.html
[3] HROne. (2025, August 19). ما هو التعاون الإماراتي الصيني في مجال الطاقة الخضراء؟ اكتشف الأثر التحولي. تم الاسترجاع من https://hrone.com/blog/what-is-the-uae-china-green-energy-collaboration-discover-the-transformative-impact/



