دبي تكثف علاقات الأعمال والاستثمار مع الصين
دبي، الإمارات العربية المتحدة – 16 أكتوبر 2025 – تسعى دبي بنشاط إلى توسيع علاقات الأعمال والاستثمار مع الصين، بمشاركة مسؤولين من غرفة دبي للاقتصاد الرقمي…
تابع مسار التجارة والاستثمار والشراكات التي تعزز التقارب والتعاون بين الصين ودولة الإمارات.
دبي، الإمارات العربية المتحدة – 16 أكتوبر 2025 – تسعى دبي بنشاط إلى توسيع علاقات الأعمال والاستثمار مع الصين، بمشاركة مسؤولين من غرفة دبي للاقتصاد الرقمي…
أبوظبي، الإمارات – 15 أكتوبر 2025 – تتخذ دولة الإمارات والصين خطوة بارزة إلى الأمام في التزامهما بالتجارة المستدامة من خلال شراكة جديدة…
في حقبة تتسم بحتمية عالمية ملحة لإزالة الكربون والتحول نحو مصادر الطاقة المستدامة، فإن الشراكة المتنامية بين الصين ودولة الإمارات العربية المتحدة (UAE)…
العنوان الفرعي: شراكة تتجاوز الجغرافيا السياسية، وتؤذن بتحول في موازين القوى التكنولوجية العالمية في «متحف المستقبل» بدبي، تتجسد الرؤية الطموحة للذكاء الاصطناعي في خطوط انسيابية وتجارب غامرة تنبئ بمستقبل تقوده التقنيات الذكية. وهذا ليس مشهداً من الخيال العلمي البعيد، بل هو جوهر الاستراتيجية الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، والمخطط المشترك الذي ترسمه شراكتها المتنامية مع الصين في مجال الذكاء الاصطناعي. إن التعاون بين الصين والإمارات في هذا المجال يتجاوز بكثير مجرد التبادل البسيط للتقنيات ورؤوس الأموال؛ إذ يعيد تشكيل خارطة القوى التكنولوجية العالمية بصورة جذرية، ممهداً الطريق لـ«طريق حرير رقمي» جديد يتخطى أثره الحدود الجغرافية للشرق الأوسط ليمتد إشعاعه إلى العالم أجمع. إن دولة الإمارات، التي عُرفت تاريخياً بثروتها النفطية، تمضي اليوم بعزيمة غير مسبوقة نحو التحول إلى «عصر ما بعد النفط». فمن «مئوية الإمارات 2071» إلى «استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031»[1] الطموحة، تسعى الدولة جاهدةً لترسيخ مكانتها كمركز عالمي للابتكار وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ولا تهدف هذه الاستراتيجية إلى تنويع الاقتصاد فحسب، بل تهدف أيضاً إلى ضمان تنافسية الدولة في الاقتصاد العالمي المستقبلي. وفي الوقت ذاته، برزت الصين خلال العقد الماضي كقوة رائدة عالمياً في هذا القطاع، متفوقةً بمزايا ملحوظة في الخوارزميات، والبيانات، وقدرات الحوسبة، وسيناريوهات التطبيق العملي. ويشكل هذا التكامل الطبيعي أساساً متيناً للتعاون الصيني الإماراتي: فالإمارات تمتلك تخطيطاً استراتيجياً ذا رؤية ثاقبة، ورؤوس أموال استثمارية وافرة، وبيئة تطبيقية ثرية، في حين تساهم الصين بتقنيات متطورة، وكفاءات بشرية ضخمة، وحلول تكنولوجية ناضجة. ومن خلال هذا التكامل التكافلي، يستكشف الجانبان معاً ملامح مستقبل الذكاء الاصطناعي ويصيغان معاييره، مقدِّمَين نموذجاً جديداً للتعاون التكنولوجي الدولي. يتناول هذا التقرير تحليلاً متعمقاً لواقع وعمق التعاون بين الصين ودولة الإمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي، مستعرضاً التحديات والاستراتيجيات المتبعة في ظل المشهد الجيوسياسي المعقد، مع التركيز على الآفاق المستقبلية لهذه الشراكة وأثرها البالغ على الساحة العالمية. وسنرى كيف يسطر البلدان معاً، بدوافع مزدوجة من الابتكار التكنولوجي والاستقلالية الاستراتيجية، فصلاً جديداً في العصر الرقمي، مقدِّمَين نموذج تعاون فريد للتنمية العالمية يبرز كيفية تحقيق الازدهار المشترك وتجاوز القيود الجيوسياسية التقليدية عبر التنسيق التكنولوجي. الجزء الأول: مقدمة — واحة رقمية في قلب الصحراء على أطراف الصحراء العربية الشاسعة، ترتفع صروح المدن الحديثة الشاهدة ليس فقط على الرخاء الاقتصادي، بل على تحولها إلى ميادين لاختبار تكنولوجيا المستقبل. وتتجه دولة الإمارات، التي اعتمدت سابقاً على الاقتصاد النفطي، بسرعة ورؤية استشرافية لافتة نحو الآفاق الرحبة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. وقد تحول جوهر استراتيجيتها الوطنية من استخراج الموارد الطبيعية إلى بناء واحة رقمية، بهدف تحقيق التنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة من خلال الابتكار العلمي والتقني. ويُعد الذكاء الاصطناعي المحرك الأساسي لهذا التحول، بينما تمثل الصين الشريك الجوهري للإمارات في تحقيق هذا الهدف الطموح. ترسم «مئوية الإمارات 2071» رؤية مستقبلية تهدف إلى جعل دولة الإمارات من بين الدول الأكثر تقدماً وسعادة في العالم بحلول الذكرى المئوية لتأسيسها. وتعتبر «استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031»[1] المسار التنفيذي لتحقيق هذه الرؤية، حيث تنص بوضوح على ترسيخ مكانة الدولة كمركز عالمي رائد للابتكار وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتستند هذه الاستراتيجيات إلى وعي قيادة الإمارات العميق باتجاهات المستقبل: فمحدودية الاقتصادات المعتمدة على الموارد الطبيعية تتزايد باطراد، ولا سبيل لضمان مكانة رائدة في المنافسة العالمية إلا بتبني اقتصاد المعرفة والصناعات عالية التقنية. وتحقيقاً لذلك، تضخ الإمارات استثمارات ضخمة لجذب أفضل الكفاءات والتقنيات العالمية وبناء بنية تحتية رقمية عالمية المستوى. ومن خلال صناديق الثروة السيادية والاستثمار الاستراتيجي، مثل «مبادلة» (Mubadala) و«جهاز أبوظبي للاستثمار» (ADIA)، تستثمر الحكومة بنشاط في كبرى شركات التكنولوجيا العالمية والشركات الناشئة، بالتوازي مع التوسع الداخلي الكبير في إنشاء مراكز البيانات، وشبكات الجيل الخامس (5G)، ومنصات الحوسبة السحابية لدعم تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي. وعلاوة على ذلك، استحدثت الدولة برامج استقطاب نوعية مثل منظومة «التأشيرة الذهبية» لجذب نخبة علماء الذكاء الاصطناعي والمهندسين ورواد الأعمال حول العالم، مشكّلةً بذلك حاضنة ابتكار دولية ومتنوعة. وتشكل هذه المبادرات الركيزة الاستراتيجية التي تمكن الإمارات من تحقيق قفزات نوعية في عصر الاقتصاد الرقمي، وتوفر قاعدة راسخة لتعاونها العميق مع الصين. ولا يقتصر التزام الإمارات بدفع عجلة الذكاء الاصطناعي على التمويل والسياسات فحسب، بل يمتد إلى إدراكها العميق للشكل المستقبلي للمجتمعات وصياغتها الاستباقية له، إيماناً منها بأن الذكاء الاصطناعي يمثل قوة استراتيجية لإعادة هيكلة الاقتصاد، وتعزيز الرفاه الاجتماعي، ورفع التنافسية الوطنية. وبناءً على ذلك، أدرجت الإمارات مناهج الذكاء الاصطناعي في منظومتها التعليمية لإعداد الكوادر المحلية وضمان استدامة قدراتها الابتكارية، ما منحها موقعاً ريادياً في موجة التحول العالمية. وفي المقابل، حققت الصين على مدار العقود الأربعة الماضية قفزات اقتصادية هائلة، مسجلةً إنجازات لافتة في مجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. ومن انتشار المدفوعات الرقمية وبناء المدن الذكية، إلى تحليلات البيانات الضخمة وخوارزميات التعلم الآلي المتقدمة، غدت الصين قوة محورية في البحث والتطوير والتطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي عالمياً. وقد تضافرت عوامل السوق الضخمة، ووفرة البيانات، وسلاسل الإمداد المتكاملة، والدعم الحكومي القوي للابتكار لتمنح الصين ميزة فريدة في المشهد التكنولوجي العالمي. ولم تكتفِ الشركات التكنولوجية الصينية بالنجاح محلياً، بل اتجهت نحو الشراكات الدولية وتصدير خبراتها وتقنياتها. وحققت الصين اختراقات نوعية في تصميم رقائق الذكاء الاصطناعي، ومعالجة اللغات الطبيعية، والرؤية الحاسوبية، والتعرف على الصوت، وبرزت شركات رائدة عالمياً مثل هواوي، وعلي بابا، وبايدو، وتينسنت، وسينس تايم. وتمتلك هذه الشركات قدرات بحث وتطوير قوية وتجارب واسعة في توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن قطاعات كالنقل الذكي، والتصنيع الذكي، والرعاية الصحية، والتكنولوجيا المالية. وتعتمد هذه الطفرة الصينية على قاعدة سكانية ضخمة تتيح بيانات هائلة، واستثمارات حكومية مستمرة في السياسات والتمويل وتأهيل الكفاءات، ما خلق نموذجاً تنموياً يجمع بين التوجه الوطني وقوى السوق أدى لنمو سريع وميزة تنافسية فريدة. وإلى جانب ذلك، تبحث الصين بنشاط أطر حوكمة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي لضمان توظيفه المسؤول والمستدام، مساهمةً بحلولها في هذا الصدد عالمياً. وقد أدى الصعود التقني للصين إلى تغيير هيكلها الاقتصادي وإحداث تأثير عميق على موازين التكنولوجيا العالمية، لتصبح طرفاً لا غنى عنه في مسار الابتكار الدولي. ويزدهر التعاون بين الصين والإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي استناداً إلى هذا التكامل الاستثنائي؛ حيث تمتلك الإمارات الرؤية الاستراتيجية الاستشرافية، ورؤوس الأموال الاستثمارية، والبيئة التشريعية المرنة المشجعة على تبني التقنيات الحديثة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً كمركز إقليمي، مما يوفر بيئة خصبة لتوظيف التقنيات وتطويرها. وفي المقابل، تقدم الصين ما تتطلبه الإمارات من حلول تقنية متقدمة، وأنظمة تشغيل ناضجة، ومخزون بشري واسع، وخبرات متراكمة في مجالات التطبيق المعقدة؛ إذ تلتقي تطبيقات الصين للذكاء الاصطناعي في المدن الذكية، والتمويل الرقمي، والرعاية الصحية، والطاقة المتجددة بدقة مع أهداف التحول الإماراتي. وليست هذه الشراكة مجرد تعاملات تجارية، بل هي شراكة استراتيجية عميقة تهدف إلى صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي عبر البحث والتطوير المشترك، وتأهيل المواهب، وبناء المنظومات المتكاملة، مقدّمةً نموذجاً ملهماً للتعاون الدولي. ويعزز هذا النموذج مساعي الإمارات نحو التنويع الاقتصادي والاستقلال التكنولوجي، ويوفر للشركات الصينية منصة للتوسع الخارجي، محققاً المنفعة المتبادلة والنمو الاقتصادي المشترك، ويشكل نموذجاً يحتذى به للدول النامية في توظيف التعاون التقني لتحقيق الازدهار وتجاوز قيود الجغرافيا السياسية، فضلاً عن كونه جسراً يعزز الشراكة بين الشرق والغرب، والتعاون بين دول الشمال والجنوب. ويتعمق هذا التقرير في تفاصيل التعاون الصيني الإماراتي في هذا القطاع، متناولاً التحديات والاستراتيجيات المرتبطة بالواقع الجيوسياسي، ومستشرفاً الآفاق المستقبلية وتداعياتها العالمية. وندرك هنا كيف يسهم التعاون القائم على الابتكار والاستقلالية الاستراتيجية في رسم ملامح العصر الرقمي، مؤكداً إمكانية بناء شراكات استراتيجية مثمرة بين دول ذات نظم وحضارات مختلفة في ظل المصالح المشتركة والتقدم التكنولوجي، ومقدماً للمسؤولين والمستثمرين والباحثين تحليلاً ورؤى قيّمة لفهم أنماط المنافسة والتعاون التكنولوجي الدوليين. الجزء الثاني: أبعاد التعاون وعمقه — من البنية السحابية إلى التطبيقات العملية لا يقف التعاون بين الصين والإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي عند حدود التنظير، بل يترجم عملياً عبر مواءمة استراتيجية رفيعة المستوى ومشاريع ميدانية كبرى تعكس عمق الشراكة واتساعها. ويظهر ذلك جلياً في الزيارات الرسمية المتبادلة وتوقيع الاتفاقيات الاستراتيجية، وفي الحضور القوي لكبرى الشركات التكنولوجية الصينية داخل الإمارات، والجهود المشتركة لتأسيس منظومة متكاملة للابتكار. ويوفر هذا التعاون الشامل قوة دافعة للتحول الاقتصادي في الإمارات وتوسع الشركات الصينية عالمياً، ضاخاً حيوية متجددة في صناعة الذكاء الاصطناعي دولياً عبر شبكة متعددة المستويات تمتد من البنية التحتية إلى التطبيقات الميدانية، ومن تنمية الكوادر إلى البحث والتطوير المشترك. التوافق الاستراتيجي والدعم القيادي شهدت العلاقات الإماراتية الصينية خلال السنوات الأخيرة حراكاً دبلوماسياً رفيع المستوى، ما رسخ قاعدة سياسية قوية للتعاون في تقنيات الذكاء الاصطناعي. ففي مايو 2024، أجرى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، زيارة دولة إلى الصين، عمقت التعاون في مجالات تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي. ولم تسهم هذه الزيارة في تعزيز الشراكة القائمة فحسب، بل فتحت آفاقاً جديدة وحددت معالم التعاون الاستراتيجي طويل الأمد بين البلدين. وأثمرت الزيارة عن توقيع سلسلة اتفاقيات شملت مجالات حيوية، كان للذكاء الاصطناعي نصيب الصدارة فيها، مما يعكس اهتمام القيادتين بتوفير الأطر الداعمة للتعاون المؤسسي والاستثماري؛ حيث اتفق الجانبان في مجال الاقتصاد الرقمي على توثيق التعاون في التجارة الإلكترونية، والمدفوعات الرقمية، والبلوك تشين، وتوسيع الشراكة في قطاع تكنولوجيا المعلومات لتشمل الجيل الخامس (5G)، والحوسبة السحابية، وإنترنت الأشياء، مشكّلين بذلك إطاراً قيادياً يضمن استدامة المبادرات ونجاحها. وفي 6 يوليو 2024، وخلال «المنتدى الصيني العربي للتعاون المالي في صناعة الذكاء الاصطناعي» الذي نظمه مركز الابتكار الصيني العربي (CIC) في شنغهاي، وقع المركز مذكرات تفاهم مع كل من شركة بكين رونغشين للتكنولوجيا الرقمية المحدودة وشركة شنغهاي فوديان للتكنولوجيا الذكية المحدودة، ما مثل خطوة تنفيذية متقدمة لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي[2]. وأتاحت هذه الاتفاقيات توفير التمويل وتسهيل تبادل الحلول والنماذج التجارية، مما دعم احتضان المشاريع وتسريع دخولها حيز التنفيذ. وجمع المنتدى نخبة من المستثمرين ورواد الأعمال والخبراء من كلا الجانبين لدراسة فرص الاستثمار والاتجاهات الحديثة، مقدماً منصة للتكامل الاقتصادي والتكنولوجي عكست التزام الحكومتين بتوفير الضمانات المؤسسية وتوسيع أفق التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص والأوساط الأكاديمية. ومع مطلع عام 2025، تعزز هذا المسار الإيجابي بالإعلان عن خطة «شراكة صينية إماراتية بقيمة 5 مليارات دولار»، الهادفة إلى تعميق التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، وتطوير البنية التحتية. وتشمل الخطة تعاوناً واسعاً بين مجموعة G42 وكبرى شركات التقنية الصينية في مجالات التعلم الآلي، والبيانات الضخمة، وحلول المدن الذكية، فضلاً عن مبادرات بحثية مشتركة وبرامج لتبادل الكفاءات[3]. ولا تركز هذه المبادرة الكبرى على ضخ رؤوس الأموال فحسب، بل تشدد على نقل المعرفة وتطوير الكوادر وتأسيس بيئة ابتكار مستدامة؛ حيث يطور الجانبان نماذج ذكاء اصطناعي مشتركة لمعالجة تحديات كفاءة الطاقة والتشخيص الطبي وإدارة المدن، مع بناء آليات آمنة وفعالة لمشاركة البيانات ودمج الخبرات الصينية بالاحتياجات الإماراتية لتنفيذ مشاريع رائدة للمدن الذكية. وتبرز هذه الخطط التزام الطرفين بتحقيق شراكة استراتيجية طويلة الأجل وتخطي المصالح الضيقة، مع تأكيد التعاون في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات لتطوير مسارات مسؤولة تتوافق مع القوانين الوطنية والمعايير الدولية. الدور القيادي لعمالقة التكنولوجيا يعد التوسع النشط للشركات التكنولوجية الصينية الكبرى في دولة الإمارات تجسيداً عملياً لعمق هذه الشراكة؛ حيث تسهم هذه المؤسسات في نقل خبراتها المتراكمة وحلولها المتقدمة إلى منطقة الشرق الأوسط، ما يسهم في تسريع التحول الرقمي الإماراتي. وتشارك هذه الشركات بفاعلية في مسيرة التنمية من خلال إنشاء مقرات إقليمية، ومراكز بيانات، ومختبرات للبحث والتطوير، ومشاريع مشتركة مع الشركاء المحليين، لتصبح محركاً أساسياً في التعاون التكنولوجي المشترك. كما توفر نجاحاتها في السوق الإماراتي نموذجاً وتجربة قيّمة للشركات الصينية الأخرى المتطلعة للتوسع الدولي. وتبرز هذه النماذج تكامل نقاط القوة التقنية الصينية في الرؤية الحاسوبية، ومعالجة اللغات الطبيعية، والحوسبة السحابية مع الأولويات التنموية للإمارات، خاصة في مجالات المدن الذكية، والأمن العام، والخدمات المالية المتقدمة. ويعمل نموذج نقل التكنولوجيا المعتمد على التطبيق المحلي على تعزيز جهود التنويع الاقتصادي الإماراتي، ويمنح الشركات الصينية خبرات إضافية في الأسواق العالمية وحصصاً سوقية تدعم علاماتها التجارية وتنافسيتها الدولية، مما يحقق المنفعة المتبادلة ويعكس الإمكانات الكبيرة للتعاون بين الاقتصادات الصاعدة. بناء منظومة الابتكار المشتركة وإلى جانب التعاون المؤسسي والاستثماري، يتعاون البلدان في تطوير بيئة ابتكار متكاملة، وتمثل «جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي» (MBZUAI) نموذجاً بارزاً لذلك؛ فمنذ تأسيسها في عام 2019 كأول جامعة متخصصة في الدراسات العليا لأبحاث الذكاء الاصطناعي عالمياً، وضعت الشراكات الدولية في صلب استراتيجيتها. وأسهم انضمام نخبة من الأكاديميين الصينيين إلى هيئاتها القيادية — مثل البروفيسور ياو تشي تشي (الأكاديمي بجامعة تسينغhua) كعضو في مجلس الأمناء، والدكتور وان لين (كبير علماء الذكاء الآلي في علي بابا) كعضو في المجلس الاستشاري — في تعميق التبادل المعرفي وبناء القدرات البحثية المشتركة[2]. واستقطبت الجامعة باحثين متميزين من مختلف أنحاء العالم وأهلت كوادر محلية واعدة، وتواكب برامجها الأكاديمية متطلبات الصناعة لتخريج كفاءات تجمع بين المعرفة النظرية والخبرة التطبيقية. وتجري الجامعة أبحاثاً مشتركة مع جامعات صينية مرموقة وتتعاون مع شركات التقنية لتوفير فرص تدريب وتوظيف تضمن مواءمة مخرجات التعليم لاحتياجات السوق. وفي السياق ذاته، تشارك صناديق رأس المال الجريء والشركات التكنولوجية الصينية بنشاط في منظومة الشركات الناشئة الإماراتية، موفرةً الدعم المالي والتقني لتغذية بيئة الابتكار، لا سيما في مجالات التكنولوجيا المالية، والخدمات اللوجستية، والرعاية الصحية. ويعزز هذا التكامل نمو الشركات الوطنية الإماراتية ويفتح آفاقاً جديدة للاستثمارات الصينية ضمن شبكة ابتكار وثيقة. كما تقدم المناطق الحرة في الدولة، مثل «سوق أبوظبي العالمي» (ADGM) و«مركز دبي المالي العالمي» (DIFC)، حوافز استثمارية جاذبة تشمل التملك الأجنبي الكامل بنسبة 100% وإعفاءات ضريبية، ما شجع كبرى الشركات وصناديق الاستثمار الصينية على تأسيس مقار لها. ويتكامل ذلك مع المبادرات والمسرعات الحكومية مثل برنامج «غداً 21»، التي تقدم التمويل والإرشاد للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، مسهمةً في تسريع وتيرة نضج القطاع وترسيخ مكانة الدولة على خارطة الابتكار العالمية. الجزء الثالث: فن التوازن في مواجهة التحديات الجيوسياسية إن الازدهار الذي يشهده التعاون الإماراتي الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي لا يخلو من التحديات، إذ يتحرك دوماً ضمن معادلة جيوسياسية دقيقة. ومع تزايد الحذر والرقابة الأمريكية تجاه النفوذ التكنولوجي الصيني، تجد دولة الإمارات نفسها أمام ضرورة ممارسة «فن التوازن» بدقة متناهية. غير أن هذه التحديات أسهمت في إبراز المرونة الاستراتيجية للشراكة وقدرة الإمارات على اتخاذ قراراتها التنموية باستقلالية، في مؤشر على نضج الدور الإماراتي في الساحة الدولية. قراءة موضوعية للتحديات منذ مطلع عام 2024، تزايدت الضغوط والتدقيقات الأمريكية المفروضة على الكيانات التكنولوجية الإماراتية، وبخاصة شركة G42 وعلاقاتها مع الصين؛ حيث أعرب الكونغرس الأمريكي في يناير 2024 عن مخاوفه من هذا التقارب، مما وضع G42 — الشركة الوطنية الرائدة في الذكاء الاصطناعي برئاسة سمو الشيخ طحنون بن زايد، مستشار الأمن الوطني — تحت ضغوط كبيرة[2]. وللحفاظ على شراكاتها التكنولوجية مع الولايات المتحدة، أجرت الشركة في فبراير 2024 تعديلات هيكلية شملت تصفية استثمارات صندوقها «42XFund» في الصين والبالغة قيمتها 10 مليارات دولار، والالتزام بفصل الأنظمة والتقنيات المرتبطة بالشركات الصينية[2]. ولم يكن هذا الإجراء مجرد قرار تجاري لشركة G42، بل جاء كإعادة تموضع استراتيجي في ظل التعقيدات الجيوسياسية لضمان استقرار العلاقات مع الحلفاء الغربيين. وتسعى واشنطن من خلال ضوابط التصدير وتدقيق الاستثمارات إلى تحجيم التطور التكنولوجي الصيني ودفع الشركاء إلى حسم خياراتهم، الأمر الذي يفرض تحديات استراتيجية في التوفيق بين قوى التكنولوجيا الكبرى وتأمين متطلبات الأمن والتنافسية الاقتصادية. وتستند هذه الضغوط إلى رغبة أمريكية في حماية ريادتها لقطاع التقنيات المتقدمة وضمان عدم انتقال التكنولوجيا الحساسة عبر وسطاء، مما فرض على الإمارات متطلبات دقيقة للتعامل مع هذا التجاذب الدولي. ومع ذلك، تدرك الإمارات أن الاعتماد الحصري على طرف واحد قد يحد من استقلاليتها الاستراتيجية ومصالحها الوطنية بعيدة المدى، ومن ثم فهي تحرص على الموازنة بين الحفاظ على شراكاتها التقليدية مع الغرب وتطوير تعاونها البنّاء مع القوى الصاعدة كالصين، سعياً لتحقيق أهدافها في التنويع الاقتصادي وبناء القدرات التكنولوجية الذاتية. وتجسد هذه الرؤية نهج الإمارات الدبلوماسي العملي الساعي إلى تعظيم المصلحة الوطنية وتوسيع الشراكات المتوازنة في عالم متعدد الأقطاب.…
مستجدات السياسات، وأخبار الأعمال بين الصين والإمارات، ورؤى القطاعات، تصلك مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
العضوية
اترك بياناتك وسيتواصل معك فريقنا بشأن العضوية.