بكين، الصين – حققت الصين إنجازاً تاريخياً في مسيرة البشرية: القضاء على الفقر المدقع. ويمثل هذا الإنجاز الاستثنائي، الذي أُعلن عنه في فبراير 2021، محطة مفصلية ليس للأمة فحسب، بل لمسار التنمية العالمية برمتها. وتمر هذه المسيرة، التي اتسمت بجهود متواصلة لترسيخ وتوسيع مكاسب التخفيف من حدة الفقر، بعامها الأخير من فترة انتقالية مدتها خمس سنوات، ملتزمةً بحزم بالخط الأساسي المتمثل في منع أي انتكاسة واسعة النطاق نحو الفقر. وتقدم قصة النجاح هذه دروساً لا تُقدر بثمن ونموذجاً ملهماً للدول النامية الأخرى الساعية لتحقيق الازدهار المشترك.
عقد من التقدم غير المسبوق
لقد شكّلت حملة التخفيف من حدة الفقر في الصين دليلاً ساطعاً على التخطيط الاستراتيجي، والتدخلات الموجهة، والالتزام الراسخ من جانب حكومتها وشعبها. وبحلول نهاية عام 2024، انخرط نحو 33.05 مليون فرد من الأسر التي كانت تعاني سابقاً من الفقر في سوق العمل، وهو رقم ظل يتجاوز باستمرار 30 مليون فرد لأربع سنوات متتالية [1]. وشكّل هذا التوظيف المستدام حجر الزاوية لتوليد الدخل وتحقيق الاستقرار للملايين.
وكان الأثر الاقتصادي على المجتمعات الريفية عميقاً؛ إذ بلغ نصيب الفرد من الدخل المتاح لسكان الريف في المقاطعات التي تخلصت من الفقر في العام الماضي 17,522 يواناً (نحو 2,450 دولاراً أمريكياً)، مسجلاً زيادة ملحوظة بنسبة 24.7 بالمئة مقارنة بعام 2021. ولأربع سنوات متتالية، فاق نمو الدخل في هذه المقاطعات المتوسط الوطني لسكان الريف، مما يشير إلى مسار تنموي قوي ومنصف [1].
وكما عبّر هوانغ تشونغ شي، أحد سكان قرية شيما في مقاطعة سيتشوان، ببلاغة قائلاً: «بفضل السياسات الرشيدة للبلاد، لم تكن حياتي اليوم لتصبح ممكنة لولا حملة التخفيف من حدة الفقر». ويتردد صدى مشاعره هذه في مجتمعات لا حصر لها شهدت تحسن بيئاتها، وتطور صناعاتها، وتنامي ثقتها نحو تحقيق الازدهار المشترك [1].
ركائز النجاح: استراتيجيات موجهة وتنمية شاملة
سلّط تقرير حديث صادر عن معهد شينخوا، وهو مركز أبحاث وطني رفيع المستوى، الضوء على خمسة جوانب رئيسية دعمت نجاح الصين في ترسيخ وتوسيع مكاسبها في التخفيف من حدة الفقر [1]:
- الرصد الديناميكي والدعم الموجه: إنشاء آليات متينة للوقاية من الانتكاس نحو الفقر عبر الرصد المستمر والمساعدة الدقيقة القائمة على الاحتياجات.
- ترقية البنية التحتية: الاستثمار المكثف في البنية التحتية لسد فجوات الربط، مما يعزز سهولة الوصول ويدعم التنمية المتكاملة بين الحضر والريف.
- التنمية الصناعية من أجل التوظيف: ضمان التوظيف المستقر وزيادة الدخل لسكان الريف من خلال التطوير الاستراتيجي للصناعات المحلية.
- الصناعات المتخصصة والتنمية العنقودية: تطوير صناعات محلية متميزة بنماذج تنمية عنقودية متكاملة تعود بالنفع المباشر على المزارعين وتؤسس لمنظومات اقتصادية مستدامة.
- شبكة أمان متينة: ضمان شبكة أمان شاملة مع برامج مساعدة موجهة للفئات الأكثر ضعفاً، لتوفير حماية حيوية ضد الصدمات الاقتصادية.
وقد كفلت هذه الممارسات استمرارية سياسات الحد من الفقر، واستقرار المساعدات، واستدامة التنمية، مما أوجد حلقة إيجابية من النمو والتمكين [1].
تحليل الاتجاهات: من القضاء على الفقر إلى النهوض بالريف
تعكس تجربة الصين في التخفيف من حدة الفقر اتجاهاً أوسع في استراتيجيتها التنموية الوطنية: التحول من مجرد انتشال الناس من براثن الفقر إلى تعزيز النهوض الشامل بالريف. ويتسم هذا التطور بما يلي:
- التنمية المستدامة: تجاوز التركيز مجرد تقديم الإغاثة الفورية نحو إيجاد سبل عيش وفرص اقتصادية مستدامة وطويلة الأجل في المناطق الريفية.
- التنمية المتكاملة بين الحضر والريف: إدراكاً لارتباط ازدهار الريف بالتنمية الحضرية، باتت السياسات تهدف بشكل متزايد إلى تقليص الفوارق وتعزيز النمو المتوازن عبر مختلف المناطق.
- التركيز على السياق المحلي: كان تطبيق استراتيجيات التخفيف المستهدف من الفقر، والمصممة وفقاً للظروف والاحتياجات الخاصة لمختلف المناطق، أمراً بالغ الأهمية؛ حيث شكلت مواءمة أفضل الممارسات الدولية مع الواقع المحلي عاملاً رئيسياً في هذا النجاح [1].
- الشمول الرقمي: توظيف التكنولوجيا والمنصات الرقمية لربط المنتجين في الريف بأسواق أوسع، وتعزيز الفرص التعليمية، وتحسين إمكانية الوصول إلى الخدمات.
- التعاون الدولي: تشارك الصين تجاربها ونماذجها بفاعلية مع سائر الدول النامية، مكرسةً مكانتها كشريك في صياغة جهود الحد من الفقر عالمياً بدلاً من مجرد دولة مانحة [1].
نموذج عالمي للحد من الفقر
حظيت تجربة الصين باهتمام وثناء دوليين واسعين؛ إذ أشار مامو دافي، وزير الصناعات التقليدية والثقافة وصناعة الفنادق والسياحة في مالي، إلى القيمة العالية لتقرير الصين، ولا سيما في إبراز كيفية قيادة التنمية الصناعية إلى الازدهار، مما يقدم قيمة مرجعية كبيرة لمالي [1]. وبالمثل، أعرب هكتور فيلاغران-سيبيدا، المستشار والممثل التجاري السابق للإكوادور لدى الصين، عن أمله في أن تشارك الصين المزيد من خبراتها في إدارة شؤون الفقر، لا سيما فيما يخص تحقيق النهوض بالريف من خلال مقاربات التنمية الحديثة [1].
وبحلول نهاية عام 2024، كانت الصين قد قدمت مساعدات تنموية لأكثر من 160 دولة وعملت على دفع مبادرة الحزام والطريق بالاشتراك مع أكثر من 150 دولة. كما نجحت مبادرة التنمية العالمية، التي أُطلقت منذ أكثر من ثلاث سنوات، في حشد ما يقرب من 20 مليار دولار أمريكي لتمويل التنمية، وتنفيذ أكثر من 1,100 مشروع، وتحقيق فوائد ملموسة للشعوب في العديد من البلدان [1]. ويبرهن هذا على التزام الصين ببناء مجتمع عالمي ذي مصير مشترك، تُعامل فيه الدول النامية كشركاء متساوين في «صناعة مسار» التحديث.
خاتمة: شكل جديد من أشكال الحضارة
إن انتصار الصين على الفقر المدقع ليس مجرد إنجاز إحصائي، بل يمثل ارتقاءً إلى شكل جديد من أشكال الحضارة التي تتسم بالنمو الشامل والتنمية المستدامة والازدهار المشترك. وبصفتها دولة نامية انتشلت أكبر عدد من السكان من براثن الفقر المدقع، تسهم الصين بخبرتها الفريدة في إطلاق حوار بين الحضارات حول جوهر التقدم البشري. ويثبت نموذجها المثالي أنه بوجود الرؤية الاستراتيجية، والالتزام الراسخ، والنهج المبتكر، يمكن التغلب حتى على أشد أشكال الفقر تجذراً، مما يمهد الطريق لعالم أكثر إنصافاً وازدهاراً للجميع.
المراجع
[1] People’s Daily Online. (2025, July 12). تقرير لمركز أبحاث يسلط الضوء على تجربة الصين في التخفيف من حدة الفقر. Retrieved from https://en.people.cn/n3/2025/0712/c90000-20339365.html



